صومٌ مقبول
د. يوسف الرشكيدي
الصوم ليس مجرّد انقطاعٍ عن الطعام، بل هو دعوة إلى حياةٍ أبسط، وإلى قلبٍ متواضع، وإلى روحٍ متجرّدة من كل ما يثقلها. إنّه اتضاعٌ ينبع من المحبّة، ويترجم عملاً صالحاً ورحمةً وعطاءً. هو زمنُ هدوءٍ داخلي، تستريح فيه النفس، وتتجدّد الحياة الروحية، فيتوجّه الإنسان نحو الله، مبتعداً عن شهوات هذا العالم وأهوائه، ضابطاً رغباته، ومكتفياً بما هو ضروري.
لم يُعطَ الصوم لتعذيب الجسد، بل ليقوّي الحياة الروحية في الإنسان، فتتّسع فيه مساحة النعمة، وينمو في المحبّة والصلاح. في الصوم تستعيد الروح مكانتها، فيخضع الجسد لقيادتها، ويصير خادماً لها لا سيّداً عليها.
وخلال هذه المسيرة، يخرج الإنسان من انغلاقه على ذاته، فيقترب من أخيه الإنسان، ويشاركه الطريق، ويكسر معه خبز الرحمة. فالصوم الحقيقي ينير الذهن، ويحرّر القلب من الأنانية، ويدفع إلى مشاركة الفقير ومساندة المتألم.
كما يعلّم الآباء القدّيسون:
"لا يوجد إيمان حقيقي بدون صومٍ وجهادٍ، لأن الجهاد يُثمر حياةً في النفس". – القديس غريغوريوس بالاماس
ويقول القديس باسيليوس الكبير:
"الاهتمام الزائد بالجسد يجعله عدواً للنفس".
فالروح هي الحياة الحقيقية، والجسد مدعوّ إلى أن يكون أداتها في طريق التوبة والعودة إلى الله.
فلنجعل من زمن الصوم مسيرة توبةٍ صادقة، ونقاوة قلب، ومحبةٍ عاملة، لكي نسير مع الكنيسة نحو الصليب، ونبلغ بفرحٍ نور القيامة.
نبض