اتفاقية الطائف خارطة الطريق
مارك جعارة
"علي لاريجاني كان يجلس هنا، في مكانكم. في هذه القاعة تحديداً، سمع مني كلاماً قاسياً جداً، وقد بدا عليه توتر شديد. قلت له: شيعة لبنان مسؤوليتي أنا، لا أنتم. مواقف من هذا العيار وأشد جعلته يكتم توتره حتى اهتزّت قدماه. غادر القصر وهو مقبوض، ثم عاد وطلب موعداً فلم أستقبله".
هذا ما قاله رئيس الجمهورية لوفد من مبادرة "نحو الإنقاذ". كلام جميل، لكن هل هو واقعي؟
الواقع أنّ إيران هي التي تدير حزب الله، ولا تسليم للسلاح من دون موافقتها. والواقع أيضاً أنه حتى لو امتلك الجيش القدرة على الضغط بعض الشيء، إلا أنه لا يستطيع نزع سلاح الحزب إن لم يوافق الحزب، ومن خلفه إيران.
لذلك، لا بدّ من فتح حوار مع إيران - بالتنسيق مع حزب الله - على أمل أن تدرك طهران أن مهمة السلاح قد انتهت، وأن مصلحة الفريق الذي تدعمه في لبنان تقتضي الانتقال إلى مرحلة جديدة بالشراكة مع سائر اللبنانيين.
لكن كيف يمكن إقناع إيران وحزب الله بذلك؟
قد يشكّل اتفاق الطائف خريطة الطريق الأنسب لهذا المسار، لكونه اتفاقاً سبق أن وافقت عليه كل القوى السياسية اللبنانية، وعدّل الدستور استناداً إليه. إن تطبيق الطائف يعني:
١- تطبيق المادة ٢٢ من الدستور
تنص المادة ٢٢ على إجراء انتخابات نيابية خارج القيد الطائفي، وإنشاء مجلس شيوخ "تتمثّل فيه جميع العائلات الروحية، وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية". كما ينص الطائف على اعتماد المحافظة دائرةً انتخابية.
إن الانتخابات الوطنية خارج القيد الطائفي تشكّل الخطوة الأولى للخروج من عباءة الطائفية السياسية، فيما تسمح الدوائر على أساس المحافظة - حيث تتعدد الطوائف - بمنافسة بين لوائح متعددة الألوان. كذلك، من شأن الانتخابات خارج القيد الطائفي أن تؤدي إلى تمثيل أكبر للمسلمين عموماً، وللطائفة الشيعية خصوصاً، نظراً إلى أن التصويت في لبنان يتأثر إلى حد كبير بالانتماء الطائفي. ولا شك في أن ذلك يشكّل عامل اطمئنان لدى المواطنين الشيعة الذين يرون في حزب الله ضمانة لمكانتهم.
أما مجلس الشيوخ، الذي يجب أن يكون تمثيله مناصفة بين المسيحيين والمسلمين، فيشكّل ضمانة للأقليات، وبصورة خاصة للمسيحيين، بحيث لا يمكن إقرار أي تعديل دستوري أو اتفاق دولي أو قرار مصيريّ من دونه.
٢- تطبيق المادة ٩٥ من الدستور
تنص المادة ٩٥ على إنشاء هيئة وطنية لإلغاء الطائفية السياسية برئاسة رئيس الجمهورية. ويمكن أن يكون نطاق عمل هذه الهيئة واسعاً، بحيث يشمل مواضيع أساسية، منها القانون المدني للأحوال الشخصية وغيره.
٣- إقرار قانون اللامركزية الإدارية الموسّعة
وفق ما ورد في الطائف، على أن يبقى موضوع اللامركزية المالية محل بحث. ولا شك في أن اللامركزية تشكّل عامل اطمئنان للأقليات، خصوصاً الطائفة المسيحية، التي تخشى تراجع تمثيلها في السلطة والإدارة.
٤- حصرية السلاح بيد الدولة
وهذا بند أساسي لا يمكن تطبيق ما سبق من دونه.
كثيرون، خاصة في البيئة المسيحية، يخشون تطبيق المادة22 خوفاً من تحجيم دورهم. لكن ما هي البدائل؟ أليس الطريق إلى التقدم مصحوبًا دائمًا بقدر معين من المخاطرة؟
البديل الأول: استمرار الوضع القائم
هو خيار فاشل، ولا يحتاج إلى برهان، إذ إن وضعنا هشّ على كل الأصعدة، ولم ألتقِ شخصاً واحداً يدافع عنه.
البديل الثاني: الفيديرالية
هو خيار أصبح "رائجاً" في هذا الانهيار، ثم عند التدقيق تظهر عوائق واضحة:
أ- لا تتوفر استطلاعات دقيقة حول دعم الفيديرالية. لكن المؤشرات تدل على أن الداعمين هم بأغلبيتهم الساحقة مسيحيون، إذ إن كل من يطالب بالفيديرالية في المشهد السياسي - تقريباً - ينتمي إلى الطوائف المسيحية. وقد رسم بعضهم خرائط لولايات فيديرالية، تظهر فيها "الولايات المسيحية" على أكثر من نصف الأراضي. هذا الطرح سيخلق شرخاً طائفياً بين المسيحيين من جهة، وسائر الطوائف من جهة أخرى، وهو نقاش سيستمر طويلاً، يبقى خلاله لبنان في وضعه الكارثي من دون أي ضمانة للحل، وقد يتدهور إلى توترات سياسية وأمنية.
ب- في النظام الفيديرالي، تبقى السياسة الدفاعية والخارجية والمالية بيد الدولة المركزية. أليست هذه مفارقة مضحكة؟ فخلافات اللبنانيين منذ الاستقلال كانت تحديداً حول السياسة الخارجية والدفاعية. فأين حلّ الفيديرالية لهذه المعضلات؟ يجيب البعض بالحياد. لكن شعار "لا شرق ولا غرب" في ميثاق ١٩٤٣ كان دعوةً للحياد، وكلنا يعرف كيف تصرّف السياسيون حين انقسموا بين حلف بغداد وعبد الناصر.
ج- نجاح أي نظام فيديرالي يحتاج إلى دولة مركزية قوية قادرة على التخلي عن بعض صلاحياتها للولايات. هذا غير متوفر في لبنان، حيث الدولة ضعيفة منذ نشأتها، ومع وجود ولايات طائفية قوية ستتلاشى الدولة المركزية أكثر وأكثر وتعم الفوضى.
د- قد تنتج الفيديرالية الطائفية طبقة سياسية متطرفة دينياً، ما يزيد التوتر بين الطوائف وينعكس على الدولة المركزية التي قد تغرق في الفوضى.
البديل الثالث: التقسيم
قلة تجرؤ على طرحه، ولأسباب بديهية. فبسبب التشابك السكاني الطائفي، يصعب رسم حدود الدويلات. وقد يكون رسم حدود الدويلة المسيحية الأسهل نسبياً، فيما تتحول دويلات أخرى إلى "بانتوستانات" منفصلة. هذا المشروع لن يلقى دعماً من أكثرية الطوائف، واعتماده قد يقود إلى حرب أهلية جديدة.
لماذا الطائف؟
ما يميّز اتفاق الطائف أنه متفق عليه، وأصبح جزءاً من الدستور، ويمكن البدء بتنفيذه فوراً. كما أنه تجسيد للإيمان بالتعددية، وهي الدرع في وجه التطرف.
المطلوب اليوم
على السلطة التنفيذية - رئاسةً وحكومةً - أن تبادر. لم يعد مقبولاً الاعتماد على المماطلة وانتظار حلول تأتي من الخارج. لا شك في أن لا حل من دون تنسيق خارجي - بسبب ارتباط حزب الله بإيران - لكن يجب أن تكون الدولة اللبنانية في قلب العملية. لذلك، على رئيس الجمهورية أن يشكّل اليوم قبل الغد الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية، وعلى الحكومة، بالتنسيق مع الرئيس وفي تعاون مع الدول الحليفة، وفي مقدمها المملكة العربية السعودية، أن تفتح حواراً مع إيران للتفاوض حول سلاح حزب الله، وبالتنسيق مع الحزب.
نبض