صرخة
محمد حسين - سوريا
يستوطن في صفيحات الدم، يغير أشكال وألوان الحياة، يقطع الأحاديث بمنشار الرعب، يقبض على حنجرة القصص الغافية، شذى المرأة الجميلة، ابنة الأرض الجريحة التي قذفتها الأقدار إلى شرايين الشوارع المكفهرة، لم تكن تتوقع يوماً أنها ستكون في هذا المربع الخالي من الأوكسجين،
أو ستكون مجرد جثة منسية في بناء عارٍ،
أصبحت تقضي وقتها في تجديل خصلات الأيام، تهرب من خوفها إلى دوائر الفراغ،
ليالي التفكير كانت تسرق أنوثتها، تلقي برأسها فوق وسادة المجهول، أين ستذهب؟

إلى الأرصفة التي تنهش عظام الكرامة،كل الطرق مغلقة بجبال من العتمة، جرس الهاتف يرن، أمسكت به كأنها تقبض على عصا في منتصف البحر لتنقذ نفسها من الغرق،
صوت بعيد لكنه كان بالنسبة إليها أقرب إلى حبل الوريد،
المتصل: شذى لقد وجدت لك عملأ في ملهى ليلي عند صديقي ديفيد بن آمون، في تل أبيب، فأنت تمتلكين من الجمال ما يزيد عن حاجة عيون الزبائن،
شذى: ماذا تقولين؟ أنا أعمل عند لصوص الأرض،
صمتٌ لف أرجاء غرفتها العارية، مررت نظراتها في زواياها، كوب من الماء، بقايا خبز، ثياب قديمة، لا خيار أمامي، سأختار أهون الشرين حدثت نفسها، ردت بصوت متهدج: موافقة...
في مساء اليوم التالي
التحقت بالملهى، عرّفت صاحبه عن نفسها، قال لها: نحن هنا في خدمة الزبائن، لم تعرف بعد ماذا تعني خدمتهم؟
لم تكن تؤمن بهذا العمل لكنها اعتقدت أنها ستؤدي عملاً وتخرج،
لم يقل لها أحد أنها ستخرج منه بشكل مختلف
بوجه شاحب، بروح منكسرة، قدمت لأحد الزبائن زجاجة نبيذ، أمسك بيدها، آه أنت عربية جميلة، وأنت إسرائيلي كل مياه الكون لا تنظف أوساخكم، سحبت يدها بعنف، نظر ذاك الرجل البدين إلى صاحب البار، هرع إليه أخبره، همس في أذنها عليك الصعود معه إلى الطابق الثاني، ستقضي معه الليلة هناك في الشقة، اجتاحها صراع داخلي كلمات مفككة، صوت بدأ قوياً ينطلق من روحها، سيكون كل شيء على ما يرام، لن يراك أحد،
لا أحد يبقى كما هو هنا،
القذيفة لا تغير وجه الأرض فقط
بل تغير من يراها تنفجر،
بحركة ذكية حاولت أن تعرف ماذا يوجد في الطابق الثاني
شذى: دعني أتفحص المكان أولاً،
صاحب الملهى: لك ما تشائين،
صعدت إلى الطابق الثاني،
لم تسمع صوت الكلاب الشاردة في منزلها العاري،
لكنها سمعت صوت امرأة تصرخ،
لم تفهم كلماتها لكنها تيقنت أن هناك امرأة وضعت قدميها في مستنقع السقوط الحر،
لم تشعر بالفخر، شعرت بقشعريرة سرت في جسدها،
وكأن شيئاً في داخلها رفض أن يسقط، عادت إلى صاحب الملهى أخبرته أنها غير مستعدة لهذا العمل. صاحب الملهى: اذهبي إلى البيت فكري بالأمر جيداً،
غادرت الملهى، مطارق الحياة كانت أثقل من مبادئها، معصم الصمت بدأ يلف حول عنقها، يغريها، لا أحد سيراك ستغيرين مجرى حياتك، لا تبقي أسيرة الخرافات التاريخية، أنا وهم، أنت وهم في نفس المركب، جلست شذى تحت شجرة الزيتون صافحتها بحرارة تذكرت جدتها التي غرقت بدمائها ذات نهار من هؤلاء، الليلة سيكون كل شيء كما تحبين يا جدتي،
عند حلول الليل قررت الذهاب إلى الملهى، سارت في الطريق،
كانت تبحث عن شيء آخر في عيون المارة،
عن معنى، ووطن،
كان السؤال الحار يتدفق إليها من رأسها إلى أخمص قدميها، لماذا أنا ذاهبة عند هذا اللص؟
لم تكن تملك الإجابة. وصلت إلى الملهى تأملت كل الوجوه، كان أغلب العاملات من النساء العربيات، حدقت بالمكان جيداً، هنا
توجد حقيقة أخرى
لا تظهر أمام الناس.
الكحول
الموسيقى
الأحاديث المبتذلة
العلاقات السرية
في لحظة
أدركت أن الفقر لم يكن وحده من يجرح
كان هناك شيء آخر
أكثر وجعاً
كان ينهش داخلها دون صوت
كانت تظن أن الفقر سينتهي عندما تعود بالنقود،
لكن الحقيقة أنه سيبدأ بعد العودة، النقود مقابل العرض والأرض،
كان الملهى عالماً آخر، يتجدد كل ليلة بأشكال وأناس مختلفين،
غرف النوم تصدح بالصرخات
الموسيقى تعلو
والملابس تسقط،
كان هناك فتيات يعرضن أجسادهن كوسيلة للعيش
أو ربما للهروب من واقع أليم.
فتاة تبكي في الصباح من أحد الزبائن
وفي المساء تضحك بين ذراعيه،
لم تفهم ما الذي كان سيتكسر فيها
لكنها شعرت أن شيئاً سينتزع منها في كل ليلة.
قالت لها إحدى العاملات في الملهى:
ليس الفقر وحده ما يخيفني
إنما الصمت
هذا الجدار الذي قرر أن يغتال أرواحنا،
لم نكن بمستوى التحدي
تحولنا إلى دمى
أقوياء في النهار عندما نبتعد عن الملهى
وفي الليل ننهار
أمام صمتنا،
كنت أجبر نفسي كل ليلة
أن أتذكر من كنت،
لكن صورتي القديمة بدأت تتلاشى
نحن لم ندخل الملهى فقط
بل سمحنا له أن يغتال تاريخنا وأجسادنا،
أن يفضح هشاشتنا
أن يعرّينا
أحياناً أستيقظ في منتصف الليل
ليس بسبب كابوس
بل لأن الصمت نفسه صار مؤلماً
كنت أظن أن الألم يأتي من الخارج
لكنني اكتشفت أن الأخطر منه، هو بيع التاريخ،
لم أكن ضحية
أصبحت شيئاً في المنتصف
شيئاً لا يملك اسماً
ولا هوية
ولا شرفاً أحتفظ به لنفسي
حياتي اليوم عبارة عن محاولات فاشلة للهروب من الواقع.
كنت دائماً أردد مع نفسي:
لماذا لم أرحل منذ البداية؟
لماذا بقيت في الملهى عند هذا الإسرائيلي الدميم؟
كانت الإجابة تسقط من فمي،
كنت أبحث عن دور
عن معنى
عن هوية
لكنني خرجت من نفسي
أمسيت أخجل النظر إلى اسمي.
بعد أن سمعت شذى كل هذه الكلمات أطلقت العنان لحنجرتها التي صدحت بصرخات متتالية كسرت ضجيج الملهى، ساد المكان صمت مطبق، مشت بخطوات ثابتة حتى وصلت إلى بابه، لحقت بها إحدى العاملات أمسكت بيدها ثم قالت: لقد كسرنا صمتنا يا صديقتي وعدنا إلى تاريخنا.
نبض