النيل يكتب للشام، والشام تردّ السلام… شعبان جمعهما التاريخ قبل أن ترسم الحدود

منبر 24-02-2026 | 12:23

النيل يكتب للشام، والشام تردّ السلام… شعبان جمعهما التاريخ قبل أن ترسم الحدود

حين أُعلنت الوحدة بين مصر وسوريا في الثاني والعشرين من فبراير (شباط) عام 1958، بدا الحدث كأنه محطة سياسية مفصلية في تاريخ الأمة العربية المعاصر.
النيل يكتب للشام، والشام تردّ السلام… شعبان جمعهما التاريخ قبل أن ترسم الحدود
نهر النيل
Smaller Bigger

جرجس منير حنا - مصر


 

 

حين أُعلنت الوحدة بين مصر وسوريا في الثاني والعشرين من فبراير (شباط) عام 1958، بدا الحدث كأنه محطة سياسية مفصلية في تاريخ الأمة العربية المعاصر.
غير أن الحقيقة الأعمق أن تلك الوحدة لم تولد من قرار سياسي مفاجئ، بل كانت تتويجاً لمسارٍ طويلٍ من وحدة الشعبين المصري والسوري عبر التاريخ.
فالدول قد تتوحد وتنفصل، أما الشعوب إذا تلاقت في الحضارة واللغة والدم والمصير، فإن وحدتها تبقى أقوى من السياسة وأطول عمراً من الأنظمة.
ومنذ فجر التاريخ، لم تكن مصر والشام عالمين منفصلين، بل فضاءً حضارياً واحداً تشكّل حول المتوسط ووادي النيل.

 

في العصور الفرعونية، إمتدت طرق التجارة من مصر إلى بلاد الشام، تحمل الحبوب والكتان والمعادن، وتعود بالأخشاب والعطور والمعرفة. وكان البحر المتوسط، لا الحدود السياسية، هو الرابط بين الحضارتين.
ومع العصور الكلاسيكية ثم الإسلامية، تعمّقت هذه الوحدة الحضارية، فأصبحت القاهرة ودمشق مركزين للعلم والسياسة والدين، يتنقل بينهما العلماء والتجار والفقهاء والمتصوفة من دون حواجز، كأنهما مدينتان في وطن واحد.
وفي القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حين بدأت مصر نهضتها الحديثة، كان "الشوام" في قلب هذه النهضة.
هاجر آلاف السوريين واللبنانيين والفلسطينيين إلى القاهرة والإسكندرية، فأسسوا الصحف والمطابع ودور النشر، وساهموا في تشكيل الوعي الثقافي العربي الحديث، وشاركوا في بناء المؤسسات التعليمية والفنية والاقتصادية.
امتزجت اللهجات والعادات، وتزاوجت العائلات، حتى لم يعد المصري يميز بين نفسه والشامي إلا في نبرة الصوت، لا في جوهر الهوية.
وهكذا أصبحت مصر وطناً ثانياً للشاميين، وأصبحت الشام في وجدان المصريين إمتداداً طبيعياً لوادي النيل.
وأيضاً لم تكن وحدة الشعبين مجرد كلمات أو خطابات. في عام 1956، حين تعرضت مصر للعدوان الثلاثي، كان الضابط السوري جول جمال، إبن اللاذقية، يقاتل في صفوف البحرية المصرية، واستشهد دفاعاً عن بورسعيد والسويس، ليجسد بدمه معنى الوحدة الإنسانية قبل السياسية.
وفي تلك اللحظة التاريخية، صدحت إذاعة دمشق بعبارتها الخالدة: "هنا القاهرة من دمشق"، كأن الصوت السوري صار صوتاً مصرياً، وكأن العاصمتين تحوّلتا إلى قلب واحد ينبض في جسدين.
وعندما جاء وفد الضباط السوريين إلى القاهرة عام 1958 مطالباً بالوحدة الفورية، لم يكن ذلك قراراً فوقياً، بل انعكاس لحلمٍ شعبيّ عميقٍ تشكّل عبر عقود من التداخل الاجتماعي والثقافي والسياسي.
وحين احتشدت الملايين في شوارع دمشق لاستقبال جمال عبد الناصر، لم تكن تستقبل رئيس دولة أجنبية، بل قائد شعرت أنه يمثل حلمها وهويتها ومصيرها.
لقد سبقت وحدة القلوب وحدة الدساتير، وسبق الوجدان الشعبي توقيع الوثائق السياسية.
وانتهت الوحدة السياسية عام 1961 بانقلاب عسكري، لكن ما لم ينتهِ هو وحدة الشعبين.
فالانفصال لم يفصل العائلات، ولم يمزّق الروابط الثقافية، ولم يقطع المصالح الاقتصادية، ولم يغيّر صورة الشامي في عين المصري، ولا صورة المصري في وجدان الشامي.
ظل المصري يرى في الشام شقيقاً، وظل السوري يرى في مصر وطناً واسعاً يحتضنه.
و في عام 1973، تجلّت وحدة الشعبين مرة أخرى حين قاتلت مصر وسوريا معاً في حرب أكتوبر (حرب تشرين التحريرية).
لم تكن تلك الحرب مجرد تحالف عسكري، بل تعبير عن إدراكٍ شعبيّ عميقٍ أن الأمن القومي المصري مرتبط بأمن الشام، وأن دمشق والقاهرة جبهتان في معركة واحدة ضد عدو واحد.
ومع اندلاع الأزمة السورية عام 2011، أصبحت مصر وجهة رئيسية للسوريين الذين وجدوا فيها وطناً ثانياً، مستندين إلى روابط تاريخية وثقافية وإنسانية عميقة.
وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن حجم الاستثمارات السورية في مصر منذ عام 2011 بلغ نحو 800 مليون دولار عبر نحو 30 ألف مستثمر، فيما يراوح عدد السوريين المقيمين في مصر بين 250 ألفاً و300 ألف شخص وفق تقديرات حكومية، بينما يبلغ عدد المسجلين لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين نحو 130 ألف سوري.
وقد ساهم السوريون في تنشيط الاقتصاد المصري، وخصوصاً في قطاعات الصناعة والتجارة والمطاعم والنسيج، وساعدوا في امتصاص جزء من البطالة بين الشباب، وخلقوا فرص عمل جديدة، وأعادوا الحيوية إلى قطاعات اقتصادية واسعة.
وأطلق المصريون هاشتاج #السوريين_منورين_مصر تعبيراً عن الترحيب الشعبي، في مشهد يعكس عمق القبول الاجتماعي والاندماج الثقافي بين الشعبين.
النيل يكتب للشام، والشام ترد السلام… ليست عبارة شاعرية عابرة، بل حقيقة كتبها التاريخ على امتداد الحضارة، وفي تلاقي الدم والمصير المشترك. هنا…
على ضفاف النيل، وفي حواري القاهرة والإسكندرية، سكنت ذاكرة الشام منذ قرون، وظل الحضور الشامي واضحاً في تفاصيل المدينة، حيث يحمل شارع دمشق وشارع سوريا اسمهما حتى اليوم، شاهدين على الروابط العميقة بين مصر والشام. ولا يقتصر الأمر على ذلك، فقد خلدت مصر أسماء الأبطال السوريين في ذاكرة المدن، إذ يحمل أحد شوارع مدينة أسيوط في صعيد مصر اسم البطل السوري جول جمال، تخليداً لدوره في مواجهة العدوان الثلاثي.
وهناك، في دمشق وحلب واللاذقية، ظل اسم مصر حاضراً كامتداد طبيعي للهوية والقدر، ليظل التاريخ شاهداً على وحدة الشعبين قبل أي وحدة سياسية، وعلى الروابط التي تتجاوز السياسة لتصبح جزءاً من الذاكرة الشعبية والحياة اليومية.
لقد تعاقبت الدول، وتبدّلت الأنظمة، وتكسّرت مشاريع السياسة، لكن وحدة الشعبين بقيت عصيّة على الانكسار، لأنها لم تُصنع في القصور ولا في دهاليز السياسة، بل نبتت في الأسواق والجامعات والجبهات والبيوت المشتركة، وفي تفاصيل الحياة اليومية التي لا تعرف الحدود.
ومن الفراعنة إلى النهضة، ومن جول جمال إلى حرب أكتوبر، ومن الوحدة السياسية إلى الهجرة الحديثة، تتكرر الحقيقة نفسها: مصر والشام ليستا دولتين متجاورتين فقط، بل شعبين تشكّلا عبر تاريخ طويل في فضاء حضاري واحد.
قد تختلف الأنظمة، وتتبدل السياسات، وتتغير الحكومات، لكن ما يبقى ثابتاً هو أن النيل لا يكتمل من دون الشام، وأن الشام لا تستقيم من دون مصر، وأن وحدة الشعبين هي العمق الحقيقي لأي وحدة سياسية محتملة.
حين تكون الوحدة قدراً لا قراراً، ندرك أن ما جمع مصر وسوريا لم يكن قراراً سياسياً أو مشروعاً عابراً، بل مسار تاريخي طويل تشكّل عبر القرون.
هي وحدة بدأت بالقوافل والأسواق، واستمرت بالصحف والمدارس والجامعات، وتكرّست بالدم في الحروب، وتجددت بالهجرة والعمل في العصر الحديث. ولهذا، فإن الوحدة السياسية كانت صفحة في كتاب السياسة، أما وحدة الشعبين فهي فصل ممتد في كتاب التاريخ والهوية.
ومهما تغيّرت خرائط السياسة، سيظل النيل يكتب للشام، وستظل الشام ترد الى مصر السلام، لأن التاريخ حين جمعهما لم يكن يرسم حدوداً، بل كان يكتب قصة شعبين في وطن واحد، وذاكرة واحدة، ومصير لا يقبل الانفصال.
فمصر والشام، كما علّمنا التاريخ وكما ردّدته صفحاتُه مراراً، قلبان في جسد واحد؛ إذا نبض أحدهما شعر الآخر بالحياة، وإذا اجتمعا وتلاقت نبضاتهما نهضت الأمة من جديد واستعاد التاريخ صوته وقوته.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 2/22/2026 1:30:00 PM
 قادة الإطار باتوا يتعاملون مع الملف بمنطق تجنب التصعيد الخارجي وحماية الاستقرار السياسي
العالم العربي 2/23/2026 8:59:00 PM
نتنياهو يقطع اجتماع الكنيست واستنفار شامل في إسرائيل مع تقارير عن استعداد أميركي لضربة على إيران
الخليج العربي 2/22/2026 12:08:00 PM
تُجسِّد هذه المناسبة الوطنية عمق الجذور التاريخية للدولة السعودية
المشرق-العربي 2/22/2026 6:40:00 AM
أكّدت الدول الرفض القاطع لمثل هذه التصريحات الخطيرة والاستفزازية، التي تمثل انتهاكًا صارخًا لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.