حماية القاصرين في لبنان: ضرورة تدخل الحكومة تجاه منصة Roblox

منبر 24-02-2026 | 12:30

حماية القاصرين في لبنان: ضرورة تدخل الحكومة تجاه منصة Roblox

يصبح حجب منصة "Roblox" خياراً تنظيمياً مبرراً في ضوء معيار الضرورة الاجتماعية، وليس تعبيراً عن نزعة رقابية مطلقة.
حماية القاصرين في لبنان: ضرورة تدخل الحكومة تجاه منصة Roblox
صورة عامة للعبة "روبلوكس". (فريبيك)
Smaller Bigger

 جبران الخوري*

اشار وزير الاعلام بول مرقص في حديث تلفزيوني منذ ايام أن الحكومة بصدد وضع ضوابط ومعايير صارمة لكيفية استخدام المنصات الإلكترونية، مشيراً بشكل خاص إلى منصة "Roblox" كنموذج للمنصات التي تسيء للأطفال، أو تعرضهم لمخاطر غير محتسبة.

من هنا، يندرج النقاش حول تنظيم منصات الألعاب الرقمية في لبنان، ضمن إطار أوسع يتصل بحماية القاصرين في بيئة رقمية تتسم بغياب الضبط المسبق وبسيطرة المحتوى الذي ينتجه المستخدمون أنفسهم. 

أظهر الواقع اللبناني فجوة بنيوية في القدرة على إدارة هذه المخاطر، ناجمة عن تداخل ثلاثة عوامل رئيسية: هشاشة الإطار التنظيمي، ومحدودية القدرات المؤسسية على الرصد والملاحقة، وضعف الثقافة الرقمية لدى شريحة واسعة من الأهالي.

تقوم منصة "Roblox" على نموذج تفاعلي يجمع بين اللعب، والدردشة، والمحتوى المفتوح الذي يُنشئه المستخدمون، وهذا نموذج يُنتج بطبيعته فضاءات يصعب ضبطها رقابياً بصورة فورية. ووثّقت تقارير دولية حالات متكررة من الاستدراج الرقمي "grooming" والتواصل غير الآمن بين قاصرين وبالغين، وتداول مضامين غير مناسبة للفئات العمرية الصغيرة، 

رغم اعتماد المنصة على آليات تقنية وبشرية للرقابة، لا تكمن الإشكالية في قصور هذه الآليات، بل في عدم قابليتها للضبط الفعّال في سياق دول تفتقر إلى أدوات إنفاذ متطورة وإلى تعاون قانوني مباشر مع الشركات المشغّلة.

 

 

في السياق اللبناني، تتضاعف هذه المخاطر بسبب واقع اجتماعي وتقني خاص، يتمثل في محدودية الثقافة الرقمية لدى عدد كبير من الأهالي، وعدم امتلاكهم المهارات اللازمة لتفعيل أدوات الرقابة الأبوية أو متابعة أنماط استخدام أولادهم للمنصات التفاعلية. 

ويؤدي هذا الواقع إلى نقل عبء الحماية من الأسرة إلى الدولة بصورة شبه كاملة، خصوصاً في ظل الانتشار الواسع للأجهزة الذكية بين القاصرين، وغياب أي نظام مدرسي منهجي للتوعية الرقمية.

وعلى المستوى الدولي، تُظهر التجارب المقارنة أن اعتماد أدوات تنظيمية تدريجية (مثل تقييد الدردشة أو تشديد التحقق من العمر) يفترض وجود بيئة قانونية قادرة على فرض الامتثال، ومجتمعاً يمتلك حدّاً أدنى من الثقافة الرقمية لتفعيل هذه الأدوات. وهو افتراض غير متحقق بصورة واقعية في الحالة اللبنانية الراهنة. 

على سبيل المثال، يُستخدم مصطلح "Brainrot" للإشارة إلى نمط من المحتوى الرقمي السريع والإيقاعي المرتبط غالباً بمنصة "Roblox"، سواء عبر الألعاب التفاعلية داخلها أو عبر مقاطع الفيديو المصاحبة لها على منصات المشاهدة مثل يوتيوب. 

تُظهر الدراسات الحديثة المنشورة في علم النفس العصبي والسلوك الرقمي أن المنصات القائمة على التحفيز المتكرر تُسهم في تعزيز أنماط استخدام قهرية لدى الأطفال والمراهقين، نتيجة تفعيل دارات المكافأة العصبية المرتبطة بالدوبامين، وأن المحتوى المصنّف ضمن نمط "Brainrot" يتميز بمشاهد قصيرة وسريعة الإيقاع، ومؤثرات بصرية وصوتية متكررة، ومكافآت فورية لا تتطلب جهداً معرفياً كبيراً، ما يُضعف تدريجياً قدرة الدماغ النامي على تحمّل الملل والتركيز طويل الأمد، ويُعزز الميل إلى الاستهلاك المستمر للمحتوى ذاته.

 

 

وبالنسبة إلى لبنان، وبالرغم من غياب دراسات كمية وطنية منشورة، تشير المعطيات الميدانية المستقاة من بيئات مدرسية وأسرية، بما في ذلك إفادات المعلمين، وملاحظات المرشدين النفسيين، وتجارب الأهالي، إلى انتشار هذا النمط من المحتوى بين تلاميذ المدارس، خصوصاً في الفئة العمرية بين نحو 7 و15 سنة، حيث يُلاحظ لدى بعض القاصرين انشغال ذهني دائم بالمحتوى، وانتقالاً دائرياً بين اللعب والمشاهدة، وهو ما يُعرف بنمط "الاعتماد السلوكي الرقمي". وعندما يقترن هذا السلوك بضعف الرقابة الأبوية وغياب البدائل التربوية والترفيهية، يمكن أن يتطور إلى اضطراب في التحكم بالاستخدام يقترب من معايير الإدمان السلوكي المصنّف عالمياً تحت مسمى اضطراب اللعب الرقمي "Gaming Disorder"، مع آثار محتملة على التحصيل الدراسي والتنظيم الانفعالي والاندماج الاجتماعي.

وعليه، فإن الركون الحصري إلى الحلول التقنية أو إلى مسؤولية الأهل يشكل مقاربة نظرية لا تراعي الشروط الفعلية للسوق الرقمية المحلية.

انطلاقاً من ذلك، يكتسب مبدأ التدخل التقييدي المسبق مشروعيته من منطق الوقاية لا العقاب، ومن معيار حماية الفئات الأضعف لا منطق تقييد الحريات الرقمية لعموم المستخدمين. 

فالحجب المؤقت أو المشروط لمنصة "Roblox" لا يُفهم هنا بوصفه إجراءً عقابياً، بل كأداة تنظيمية استثنائية تُستخدم عندما تتعذر فعالية البدائل الأقل تقييداً، وعندما يكون خطر الضرر واقعاً ومثبتاً، لا افتراضياً.

وعليه، فإن مسؤولية الحكومة اللبنانية لا تقتصر على الدعوة إلى الاستخدام الآمن أو إلى تفعيل الرقابة الأبوية، بل تمتد إلى اتخاذ قرار إداري وتنظيمي مباشر يضع مصلحة القاصر فوق اعتبارات السوق الرقمية. 

ويُستند في ذلك إلى واقع موضوعي يتمثل في ضعف قدرة الأسرة اللبنانية على أداء وظيفة الحارس الرقمي، وفي عجز المؤسسات التربوية والإعلامية عن سد هذه الفجوة في الأمد القصير.

بناءً على ما تقدّم، يصبح حجب منصة "Roblox" خياراً تنظيمياً مبرراً في ضوء معيار الضرورة الاجتماعية، وليس تعبيراً عن نزعة رقابية مطلقة. فالامتناع عن التدخل في ظل هذا الواقع لا يمكن تفسيره بوصفه حياداً، بل تقصيراً في أداء واجب الحماية، خاصة عندما تكون الفئة المتضررة غير قادرة على حماية نفسها ولا يملك محيطها الأسري الأدوات اللازمة لذلك.

*خبير لبناني في إدارة الاتصالات

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 2/22/2026 1:30:00 PM
 قادة الإطار باتوا يتعاملون مع الملف بمنطق تجنب التصعيد الخارجي وحماية الاستقرار السياسي
العالم العربي 2/23/2026 8:59:00 PM
نتنياهو يقطع اجتماع الكنيست واستنفار شامل في إسرائيل مع تقارير عن استعداد أميركي لضربة على إيران
الخليج العربي 2/22/2026 12:08:00 PM
تُجسِّد هذه المناسبة الوطنية عمق الجذور التاريخية للدولة السعودية
المشرق-العربي 2/22/2026 6:40:00 AM
أكّدت الدول الرفض القاطع لمثل هذه التصريحات الخطيرة والاستفزازية، التي تمثل انتهاكًا صارخًا لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.