في قلب العتمة

منبر 24-02-2026 | 10:26

في قلب العتمة

تُعدّ قضية جيفري إبستين من أبرز القضايا الجنائية التي أثارت صدمة عالمية واسعة، ليس بسبب طبيعة الجرائم الجنسية المنسوبة إليه فحسب، بل كذلك بسبب شبكة العلاقات الواسعة التي أحاطت به وامتدت إلى دوائر سياسية واقتصادية نافذة. 
في قلب العتمة
جزيرة إبستين التي وردت تقارير فظيعة عما كان يجري فيها من جرائم جنسية (رويترز)
Smaller Bigger

ليا ج. إبراهيم

 

 

 

تُعدّ قضية جيفري إبستين من أبرز القضايا الجنائية التي أثارت صدمة عالمية واسعة، ليس بسبب طبيعة الجرائم الجنسية المنسوبة إليه فحسب، بل كذلك بسبب شبكة العلاقات الواسعة التي أحاطت به وامتدت إلى دوائر سياسية واقتصادية نافذة. 
إن تناول هذه القضية من منظور علم النفس التحليلي وعلم الأعصاب يقتضي مقاربة مترابطة تجمع بين تحليل البنية الفردية والسياق الاجتماعي، مع التأكيد الصريح أن أي تفسير علمي لا يُشكل تبريراً للسلوك الإجرامي ولا ينتقص من المسؤولية الأخلاقية والقانونية.
تشير المراجع النفسية المعاصرة إلى أن الانجذاب الجنسي المتكرر والمستمر نحو الأطفال قبل سن البلوغ يُدرج ضمن اضطرابات التفضيل الجنسي. غير أن التمييز المفاهيمي الدقيق يكمن بين وجود الميل وبين تحويله إلى ممارسة فعلية. فوجود رغبة منحرفة لا يعني حتماً الوقوع في الفعل الإجرامي؛ إذ يتطلب الانتقال من الفكرة إلى التنفيذ تراجعاً في الضبط الداخلي، وضعفاً في تشكّل الأنا الأعلى، وانخفاضاً في الإحساس بالذنب، إضافةً إلى توافر بيئة تسمح بالإفلات من المحاسبة. هنا يظهر التفاعل بين البنية النفسية والظروف المحيطة كعامل حاسم في تفسير السلوك.

 

في الإطار التحليلي الكلاسيكي، يربط سيغموند فرويد بين تشكل الرغبة ومسار النمو النفسي- الجنسي خلال الطفولة. أي تثبيت أو اضطراب في إحدى المراحل النمائية قد يؤدي إلى بقاء جزءٍ من الطاقة النفسية مرتبطاً بموضوعات طفولية. كما أن ضعف تكوّن الأنا الأعلى، وهو الجهاز المسؤول عن الرقابة الأخلاقية، يسمح للدوافع البدائية أن تتقدم من دون كبحٍ كافٍ. عندما تتقاطع هذه العوامل مع بنية نرجسية، تتعزز سمات الشعور بالعظمة والاستحقاق المطلق، ويتراجع الاعتراف بحدود الآخر. في هذه الحالة، يُختزل الآخر إلى أداة لإشباع الرغبة وتعزيز الإحساس بالقوة، وهو ما يتقاطع مع خصائص الشخصية المعادية للمجتمع التي تتسم بغياب التعاطف وضعف الشعور بالندم.
يتكامل هذا التحليل الدينامي مع المعطيات العصبية التي تسلط الضوء على دور الدماغ في تنظيم السلوك وضبط الاندفاع. الفص الجبهي الأمامي يؤدي وظيفة محورية في اتخاذ القرار وتقييم العواقب وكبح السلوكيات الخطرة؛ أي خللٍ في كفاءته قد يضعف القدرة على التحكم بالرغبات. كذلك تلعب اللوزة الدماغية دوراً في معالجة الانفعالات والاستجابة للمثيرات، وقد يؤثر اضطراب نشاطها في طبيعة الإثارة الجنسية. أما الجهاز الحوفي، المسؤول عن تنظيم الدوافع الأساسية، فيساهم في توجيه السلوك المرتبط بالإشباع. ومع ذلك، لا يمكن اختزال الظاهرة بعامل بيولوجيّفؤ صرف، إذ إن الدماغ يتشكل ويتعدل باستمرار عبر الخبرة والتنشئة، ما يجعل السلوك نتيجة تفاعل معقد بين الاستعداد العصبي والسياق البيئي والاجتماعي.
في حالة جيفري إبستين، تكشف الوقائع القضائية عن نمط سلوكي قائم على الاستدراج المنهجي للقاصرات عبر الإغراء المالي أو الوعد بفرص مستقبلية. هذه الآلية تعتمد على فهم دقيق لنقاط ضعف الضحية واستغلالها، وهي عملية نفسية تتضمن بناء علاقة ظاهرها الثقة وباطنها السيطرة. هنا يتجلى بوضوح مفهوم التشييء (Objectification) - وهو عملية اجتماعية وفلسفية يتم فيها اختزال الإنسان (أو كائن حي) إلى مجرد "شيء" أو أداة أو سلعة مادية، مع تجاهل كرامته، مشاعره، وإرادته الذاتية - بحيث تُختزل الضحية إلى وسيلة لإشباع الرغبة أو لتعزيز الإحساس بالهيمنة. السيطرة ليست جنسية فقط، بل نفسية أيضاً؛ إذ تُرسخ علاقة تبعية تجعل الإفصاح أو المقاومة أكثر صعوبة.
ارتبط اسم إبستين بشخصيات سياسية واجتماعية معروفة، بينها بيل كلينتون ودونالد ترامب والأمير أندرو، إضافة إلى غيسلين ماكسويل التي أُدينت قضائياً بتسهيل الاستغلال. ومن الضروري التشديد على التمييز بين الظهور في شبكة علاقات اجتماعية وبين الإدانة المبنية على أدلة قضائية. غير أن علم نفس الجماعات يوضح كيف يمكن النفوذ المالي والسياسي أن يخلق دائرةً مغلقة تتراجع فيها الرقابة الأخلاقية بفعل المصالح المتبادلة. المال والسلطة يمنحان صاحبهما هالةً إجتماعيةً قد تحدّ من المساءلة المبكرة، وتُساهم في تطبيع سلوكيات غير مقبولة داخل بيئة نخبوية ضيقة.
يتصل ذلك بمفهوم الإفلات من العقاب، إذ يعزز غياب العواقب شعور الفرد بالحصانة ويشجعه على التمادي. في الشخصية النرجسية، يترافق هذا الشعور مع اعتقاد ضمني بالتفوق على القواعد والمعايير الاجتماعية. وعندما يجد هذا الاستعداد النفسي بيئةً تسمح له بالتحرك من دون رقابة فعّالة، يتعزز خطر التحوّل من ميلٍ داخلي إلى ممارسةٍ متكررة.
إن القراءة المتكاملة لهذه القضية تكشف عن تفاعل ثلاث طبقات مترابطة: بنية شخصية قد تتسم بالنرجسية وضعف الضبط، عوامل عصبية تؤثر في تنظيم الاندفاع والإثارة، وسياق اجتماعي يتيح النفوذ ويقلل من احتمالات المساءلة. ومع ذلك، يظل الفعل الإجرامي مسؤولية فردية كاملة لا يُعفي منها أي تفسير نظري. الهدف من التحليل النفسي والعصبي ليس تخفيف خطورة الجريمة، بل المساهمة في الوقاية عبر تعزيز التربية الأخلاقية، وتطوير برامج علاجيةٍ مبكرة، وتقوية آليات الرقابة القانونية. وبهذا يتحول الفهم العلمي من مجرد تفسير لحدث صادم إلى أداةٍ لحماية المجتمع ومنع تكرار الانتهاكات مستقبلاً.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 2/22/2026 1:30:00 PM
 قادة الإطار باتوا يتعاملون مع الملف بمنطق تجنب التصعيد الخارجي وحماية الاستقرار السياسي
العالم العربي 2/23/2026 8:59:00 PM
نتنياهو يقطع اجتماع الكنيست واستنفار شامل في إسرائيل مع تقارير عن استعداد أميركي لضربة على إيران
الخليج العربي 2/22/2026 12:08:00 PM
تُجسِّد هذه المناسبة الوطنية عمق الجذور التاريخية للدولة السعودية
المشرق-العربي 2/22/2026 6:40:00 AM
أكّدت الدول الرفض القاطع لمثل هذه التصريحات الخطيرة والاستفزازية، التي تمثل انتهاكًا صارخًا لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.