جيل التعب الصامت: شباب لا يبكون… لكنهم منهكون

منبر 24-02-2026 | 09:13

جيل التعب الصامت: شباب لا يبكون… لكنهم منهكون

لا أحد يصرخ.لا أحد يعلن انهياره على الملأ.لكنّ شيئاً ما تغيّر في الوجوه.
جيل التعب الصامت: شباب لا يبكون… لكنهم منهكون
تعبيرية
Smaller Bigger

أحمد دلول 


لا أحد يصرخ.
لا أحد يعلن انهياره على الملأ.
لكنّ شيئاً ما تغيّر في الوجوه.
تغيّر في طريقة الكلام، في سرعة الرد، في الحماس الذي كان يملأ العيون عند الحديث عن المستقبل. اليوم، حين تسأل شاباً في العشرينيات أو أوائل الثلاثينياتعن خططه، لا يجيبك بحلم. يجيبك بحسابات. كم يقبض؟ كم يصرف؟ كم يحتاج ليهاجر؟ كم سنة يستطيع أن يتحمّل بعد؟
هذا جيل التعب الصامت.

لسنا أمام انهيار درامي. لا دموع في الشارع ولا مشاهد ميلودرامية. نحن أمام إرهاق بارد، مزمن، يشبه وجعاً خفيفاً لا يغيب أبداً. شباب يعملون أكثر من وظيفة، يقبضون رواتب تفقد قيمتها بسرعة، يعيشون على فكرة "تمشاية الحال"  ويؤجلون قرارات مصيرية لأن؛ 
لأن الظروف لا تسمح.
في تقرير لمنظمة الصحة العالمية  يُقدَّر أن واحداً من كل أربعة أشخاص عالمياً يمرّ باضطراب نفسي في مرحلة ما من حياته. أما في لبنان، فبعد الانهيار المالي وجائحة كورونا  وإنفجار المرفأ، أشار: تقرير لليونيسف عام 2022 إلى ارتفاع مقلق في نسب القلق وفقدان الأمل بين الشباب اللبناني وهو ما أكدته تحديثات لاحقة للمنظمة بين عامي 2023 و 2024 ضمن تقارير الاستجابة الإنسانية.
 الأرقام صريحة. لكن الحياة اليومية أكثر صراحة: التعب أصبح حالة عامة.
الشاب اللبناني اليوم لا يريد أن يبدو ضعيفاً، تربّى على فكرة أن الشكوى ترف، وأن الصمود واجب. حتى الفتاة التي تتحمل ضغوط العمل والأسرة والمجتمع، تعلّمت أن تبتسم أمام الكاميرا، أن تكتب عبارات تحفيزية، بينما هي بالكاد تقاوم شعوراً داخلياً  بالاستنزاف.
التعب لم يعد ظرفاً طارئاً. صار نمط عيش.
جيل ما بعد احتجاجات 17 تشرين الأول 2019 حمل شعارات كبيرة: دولة عادلة، فرص عمل، كرامة. السنوات مرّت، والحلم لم يتحقق كما أُريد له. لم يسقط كلياً، لكنه لم يُثمر أيضاً. بقي معلقاً في مساحة رمادية، وهذه المساحة هي الأكثر إنهاكاً. لأن الانتظار الطويل يستنزف أكثر من الصدمة.
علم النفس يسمّي هذه الحالة  "الاحتراق النفسي المزمن"(Burnout).
 المفهوم الذي طوّرته الباحثة الأميركية كريستينا ماسلاش يصف الإرهاق العاطفي وفقدان المعنى والشعور باللاجدوى. في لبنان، لم يعد الاحتراق حكراً على موظفي الشركات الكبرى. الطالب، الصحافي، الممرضة موظف المصرف السابق، صاحب المشروع الصغير، جميعهم يعيشون على حافة 
الإنهاك.
المفارقة أن هذا الجيل هو الأكثر اتصالاً بالعالم. يرى يومياً نماذج لحياة مختلفة، يقارن فرص العمل، الرواتب، نوعية الخدمات. المقارنة المستمرة تولّد شعوراً خفياً بالعجز، حتى لو كان يبذل أقصى ما لديه. الفجوة بين ما يراه وما يعيشه تتحول إلى ضغط يومي صامت.
التعب هنا ليس جسدياً فقط. هو تعب قرارات.
هل أبقى أم أهاجر؟
هل أرتبط في ظل هذا الغموض؟
هل أبدأ مشروعاً في اقتصاد غير مستقر؟
كل خيار محفوف بالمخاطر. وكل تأجيل يراكم  قلقاً إضافياً.
الأخطر أن هذا التعب لا يتحول إلى قضية عامة. لا يُناقش بما يكفي. لا يُعترف به كجرح جماعي. يحدث في الداخل، في التفكير الزائد، في الأرق،  في الشعور الدائم بأنك تركض دون أن تتقدم.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال هذا الجيل بالإنهاك فقط. في قلب التعب مقاومة صامتة أيضاً. شباب يواصلون العمل رغم انعدام الضمانات. مبادرات صغيرة تنطلق بإمكانات محدودة. أفكار رقمية تُبنى من غرف ضيقة لكنها تصل إلى العالم. ربما لا يملكون استقراراً، لكنهم يملكون قدرة إستثنائية على التكيّف .
جيل التعب الصامت ليس جيلاً مهزوماً. هو جيل يعيش فوق طاقته، ويحاول أن يبدو طبيعياً في واقع غير طبيعي. جيل يخفي قلقه كي لا يقلق أهله أكثر. جيل لا يبكي علناً… لكنه منهك "حتى العظم".

السؤال لم يعد إن كان متعباً. السؤال: إلى متى يمكن لهذا التعب أن يبقى بلا صوت؟

لأن الصمت الطويل لا يعني أن كل شيء بخير. أحياناً يعني فقط أن أحداً لم يسأل بجدية: كيف حالكم فعلاً؟

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 2/22/2026 1:30:00 PM
 قادة الإطار باتوا يتعاملون مع الملف بمنطق تجنب التصعيد الخارجي وحماية الاستقرار السياسي
العالم العربي 2/23/2026 8:59:00 PM
نتنياهو يقطع اجتماع الكنيست واستنفار شامل في إسرائيل مع تقارير عن استعداد أميركي لضربة على إيران
الخليج العربي 2/22/2026 12:08:00 PM
تُجسِّد هذه المناسبة الوطنية عمق الجذور التاريخية للدولة السعودية
المشرق-العربي 2/22/2026 6:40:00 AM
أكّدت الدول الرفض القاطع لمثل هذه التصريحات الخطيرة والاستفزازية، التي تمثل انتهاكًا صارخًا لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.