الموارنة ولبنان توأما وجود وكيان!
حكمة. س. أبو زيد - صحافي وكاتب سياسي
بما "أن التاريخ ذاكرة الشعوب"، ولمناسبة الوضع المتردي، على كل صعيد، في وطننا الحبيب لبنان، توقف نظري وأنا أطالع مذكرات الأباتي بولس نعمان عند كلامٍ معبّرٍ للراحل فؤاد أفرام البستاني، أول رئيس للجامعة اللبنانية ورد فيه قوله: "على مختلف عهود لبنان كان الشعب اللبناني أعظم من حكّامه، أياً كانوا..."
كيف وصل الدكتور بستاني إلى هذا الاقتناع مزلزلِ عروشِ حكام لبنان عبر التاريخ؟ يجيب هو عن السؤال بقوله: "تبنى الحضارات، في مختلف البلدان، على أشخاص. أما في لبنان فالحضارة هي حضارة شعب". ويؤكد الأباتي بولس نعمان هذه الحقيقة الكيانية ويقول: "الوحدة الحياتية عندنا سبقت، في الزمن، كتابة التاريخ اللبناني". إن هذا الكلام يعكس حقيقة الشعور المسيحي العام في لبنان وليس الموارنة وحدهم.

يا سلام ما أروع هذه "الاعترافات" المارونية بهذا اللبنان وحضارته ووحدته الحياتية التي سبقت زمنه، أستعيدها اليوم وأذكّر بها بعض الموارنة وأولئك الذين لا يعرفون شيئاً عن حقيقة لبنان ولا عن الدور الماروني في كينونة هذا الوطن المنارة في هذا الشرق. ولهؤلاء جميعاً أستذكر لهم ما نضح به فكر الكاهن الماروني الراحل العلامة إميل مبارك بقوله: "مفهوم لبنان، لدى الموارنة، كما تعلّقهم به، يتخطى الكيان السياسي الذي كانت لهم اليد الطولى في تحقيقه. إنه يشكلُ جزءاً لا يتجزأ من منظومتهم الميتافيزيقية. تكاد لا تخلو رتبة ليتورجية أو صلاة يومية مارونية من ذكر اسم لبنان وأرزه.."
هل نفهم هذا القول الحكيم، الصادق، دعوة إلى الانعزال والتقوقع كما يتهم بعض قليلي الثقافة والمعرفة والاطلاع، من غير الموارنة أو من الموارنة المنغلقين فكراً ونهجاً، والمعتبرين كل مَن هو غير ماروني غريباً عنهم وعن لبنان؟ ولذلك خرج منهم نفر بشعار مسموم يقول: "تصغير مساحة لبنان تصغير لمشاكله!". هذا خطأ فادح، بل خطيئة مميتة للموارنة ولبنان. إن الموارنة أهل انتشار وليسوا جماعة انعزال ولذا هم موجودون على مستوى لبنان ومساحته بخلاف السوّى من الطوائف الأخرى وما بنوه في الماضي لن يهدموه حاضراً أو مستقبلاً.
أما لبنان الصغير "فسيكون شبيهاً لإسرائيل التي تعتبر لبنان، بصيغته وتركيبته الراهنتين، نقيضاً لوجودها العنصري والديني، من أول المرحبين والمستفيدين من مثل هكذا لبنان، بينما ستعاديه الشعوب العربية وتقاطعه وتعتبره من خوارج الزمن الحالي.
المطلوب اليوم، أكثر من أي يوم آخر، أن تبرد الرؤوس الحامية، وأن تُلجم الخيول الجامحة، وأن يقتنع الجميع أن لبنان لا يُقسّم ولا يُضم ولا يُلحق، وكل إخلال بهذه الثوابت الحياتية – الكيانية – التاريخية – يفتح النوافذ لرياح الفتنة والاقتتال الداخلي، كما حدث في الماضيين القريب والبعيد.
وإليكم ما حسمه الأباتي شربل قسيس يوم كان يمثل الرهبنة المارونية في حرب السنتين المشؤومة: "علينا أن نفهم ضرورة الصيغة اللبنانية وحتميتها وقيمتها، وعلينا أن نعمل المستحيل كي لا يصبح هذا التقسيم النفسي والعملي على الأرض تقسيماً قانونياً ودستورياً. إن أمنيتنا أن يستيقظ الجميع قبل أن نصل إلى هذا الموقف"... هل مَن يسمع ويعي؟؟
نبض