الصوت الواحد… هل يتساوى في صداه؟ قراءة دستورية في أثر الاقتراع تبعاً لمكان الاقامة

منبر 23-02-2026 | 11:00

الصوت الواحد… هل يتساوى في صداه؟ قراءة دستورية في أثر الاقتراع تبعاً لمكان الاقامة

في جوهر النظام الدستوري، لا يُقاس حقّ الاقتراع بعدد الأصوات في الصناديق، بل بمدى مساواة الأصوات في أثرها. فالدستور، حين يكرّس مبدأ المساواة بين المواطنين في الحقوق السياسية، لا يفرّق بين مقيم ومغترب، ولا بين من يقف أمام قلم اقتراع في الداخل ومن يدلي بصوته وراء البحر. الحق واحد، ومصدره واحد: المواطنة.
الصوت الواحد… هل يتساوى في صداه؟ قراءة دستورية في أثر الاقتراع تبعاً لمكان الاقامة
علم لبنان
Smaller Bigger

المحامي ربيع حنا طنوس


 

في جوهر النظام الدستوري، لا يُقاس حقّ الاقتراع بعدد الأصوات في الصناديق، بل بمدى مساواة الأصوات في أثرها. فالدستور، حين يكرّس مبدأ المساواة بين المواطنين في الحقوق السياسية، لا يفرّق بين مقيم ومغترب، ولا بين من يقف أمام قلم اقتراع في الداخل ومن يدلي بصوته وراء البحر. الحق واحد، ومصدره واحد: المواطنة.
غير أنّ الاشكالية لا تنشأ في وجود الحق، بل في أثره. فحين يختلف المسار الاجرائي أو الإطار الانتخابي تبعاً لمكان الاقامة، يثور سؤال مشروع: هل يبقى الصوت متساوياً في نتيجته، ام يتمايز في صداه؟ هنا لا نطعن في شرعية تنظيم العملية الانتخابية، ولا في حق الدولة في وضع آليات إدارية تراعي الواقع العملي، بل نتساءل عن المعيار الدستوري الذي يجب أن يضبط هذه الآلية.

المساواة الدستورية ليست مساواة شكليِّة فحسب، بل مساواة في القيمة. فإذا كان لكل مواطن صوت واحد، فإن القيمة القانونية والسياسية لهذا الصوت يجب أن تكون واحدة. وأي تنظيم إنتخابي يؤدي، ولو بصورة غير مقصودة، الى تفاوتٍ في التأثير بين فئة وأخرى، يقتضي مراجعة هادئة من منظور دستوري وليس سياسياً. إن الجسم الانتخابي، بوصفه وحدة القانون والممارسة، يضمن جميع المواطنين الذين تتوافر فيهم شروط الاقتراع، بصرف النظر عن مكان الإقامة. والتقسيم الانتخابي لا يجوز أن يُفضي الى اختلاف جوهري في فعالية الأصوات، إذ ينتقل حينها النقاش من التنظيم الاداري الى التأثير البنيوي في تكوين السلطة التشريعية.
في هذا الإطار، يبرز تنظيم الدائرة السادسة عشرة للبنانيين غير المقيمين وفق قانون الانتخاب الرقم 2017/44 حيث خُصصت للمغتربين ستة مقاعد موزعة وفق معايير قارية وطائفية محددة. والغاية المعلنة هي توسيع المشاركة، غير أن القراءة الدستورية تركز أثر هذا التنظيم في بنية الهيئة الناخبة، فالناخب المقيم يشارك في اختيار عدد النواب ضمن دائرة داخلية تؤثر في التمثيل الوطني العام، بينما يُحصر تأثير صوت الناخب غير المقيم في نطاق ستة مقاعد، أياً يكن عدد المسجلين في الخارج. ولتوضيح الفكرة ببساطة: صوت المقيم يساهم في تشكيل تمثيل واسع داخل المجلس، في حين يبقى صوت المغترب محصوراً ضمن إطار عددي محدود. الحق واحد، غير ان فعالية التأثير قد تختلف تبعاً لمكان الاقامة. وهنا يطرح السؤال الدستوري بصورته المجردة: هل يُشكل هذا الاختلاف تنظيماً مشروعاً لتسهيل ممارسة الاقتراع، أم أنه يفضي الى تمايز في الأثر الانتخابي يمسّ تماثل القيمة السياسية للصوت؟ فإذا كانت الهيئة الناخبة وحدة واحدة في أصلها، فإن إخضاع جزء منها لنظام تمثيلي مستقل ومحدد العدد قد ينتج تفاوتاً في نطاق فعالية الصوت. والتجزئة، في هذا المعنى، لا تعني انفصالاً كاملاً، بل تتحقق عندما يُعاد توزيع الأثر الانتخابي على نحو يجعل تأثير بعض الأصوات أضيق مجالاً من غيره.
إن البحث في هذه المسألة لا ينال من حق غير المقيمين في الاقتراع، بل يتصل بكيفية ضمان تكافئه. فالديموقراطية لا تُقاس بعدد المشاركين فحسب، بل بمدى تماثلهم في القيمة العملية لأصواتهم. والمواطنة، بوصفها مبدأً دستورياً، تفترض وحدةً في ممارستها.
وعليه، يتحول النقاش حول الدائرة السادسة عشرة من مسألة تقنية إلى اختبار لمدى انسجام التنظيم الانتخابي مع مبدأ المساواة السياسية، وتتجه الانظار الى جوهر المسألة: كيف يمكن للتشريع أن يوازن بين مقتضيات التنظيم وواجب صون وحدة الجسم الانتخابي، بحيث يبقى كل مواطن، حيثما وجد، شريكاً متكافئاً في صناعة الارادة الوطنية؟
في نهاية المطاف، لا يكفي أن يكون الصوت واحداً في النصوص. العدالة الانتخابية تكتمل حين تتساوى القيمة، ويتطابق الأثر، ويغدو الانتماء الدستوري سابقاً على أي اعتبار جغرافي. فالمواطنة إن كانت رابطة قانونية، فهي ايضاً ميزان مساواة. وحين يستقيم الميزان، يستقيم الصدى.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 2/21/2026 11:56:00 PM
غراهام: على ترامب المضي ضد إيران والتراجع سيكون كارثة… والمنطقة على أعتاب تغيير تاريخي
العالم العربي 2/22/2026 1:30:00 PM
 قادة الإطار باتوا يتعاملون مع الملف بمنطق تجنب التصعيد الخارجي وحماية الاستقرار السياسي
الخليج العربي 2/22/2026 12:08:00 PM
تُجسِّد هذه المناسبة الوطنية عمق الجذور التاريخية للدولة السعودية
المشرق-العربي 2/22/2026 6:40:00 AM
أكّدت الدول الرفض القاطع لمثل هذه التصريحات الخطيرة والاستفزازية، التي تمثل انتهاكًا صارخًا لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.