لماذا نختلف في الحب أكثر مما ينبغي؟ الطفولة تجيب
ناهيا أبو إبراهيم - خبيرة علاقات زوجية وتنمية ذاتية
نختلف في الحب أكثر مما ينبغي، لأن الحب لا يختبر مشاعرنا فقط، بل يختبر تاريخنا. في لحظة القرب، لا يدخل إلى العلاقة شخصان كما يبدوان اليوم فحسب، بل يدخل معهما أرشيف كامل من التجارب الأولى: كيف تعلّم كل واحد منهما معنى الأمان، وكيف فهِم القرب والغياب، وكيف ترسّخت في داخله اللغة التي يتعامل بها مع الاحتياج والخوف والخذلان. لذلك ليس غريبًا أن يتحول خلاف صغير إلى عاصفة كبيرة، لأن حجم الانفعال لا يقاس دائمًا بحجم الحدث، بل بما أيقظه الحدث من ذاكرة أقدم منه. وحين يقول هانيف كوريشي: «نقع في الحب، ثم نكتشف أننا صرنا تحت رحمة طفولة شخصٍ آخر»، فهو يصف واقعًا نفسيًا لا تراه العين بسهولة: نحن لا نصطدم فقط بتصرفات الشريك، بل نلمس جدرانًا قديمة بُنيت في طفولته لحمايته، ثم حملها معه إلى العلاقة كما هي.

الحب، من منظور نفسي، لا يضعنا أمام الحاضر وحده، بل يفتح بابًا على الطفولة دون أن يستأذن. في الطفولة تعلمنا كيف يكون القرب: هل كان القرب آمنًا أم مُربكًا؟ هل كان الاحتواء ثابتًا أم مشروطًا؟ هل كان الغياب مفهومًا ومُفسَّرًا أم مفاجئًا ومُخيفًا؟ هذه الخبرات لا تُمحى لأننا كبرنا، بل تختبئ في العمق وتعود إلى السطح عندما يصبح شخص آخر مهمًا بما يكفي ليحرك نظام الأمان داخلنا. وما إن يصبح الشريك "قريبًا" حتى تبدأ نفس الأسئلة الأولى بالظهور لكن بأسماء جديدة: هل أنا مهم؟ هل سأُترك؟ هل سيُفهم احتياجي أم سيُسخر منه؟ هل سيبقى أم سيبتعد؟ ولهذا يبدو الحب أحيانًا كمرآة لا تعكس فقط ملامحنا الراهنة، بل تعكس الطفل الذي كنا عليه ونحن نتعلم الحب لأول مرة.
وكثير من الخلافات الزوجية ليست خلافات آنية كما تبدو. هي إعادة تمثيل لأنماط قديمة، أو محاولة لا واعية لتصحيح قصة قديمة بالطريقة نفسها التي فشلت سابقًا. يظهر ذلك في خوف من الهجر يجعل أي تأخر أو صمت تهديدًا وجوديًا، وفي حساسية مفرطة للنقد تجعل الملاحظة العادية إدانةً كاملة، وفي حاجة دائمة للاطمئنان تجعل الحب لا يُصدَّق إلا إذا تكرر إثباته كل لحظة، وفي دفاع مستمر عن الذات يجعل الحوار ساحة حرب لا مساحة فهم. أحيانًا لا يكون غضب الشريك نابعًا من الموقف نفسه، بل من شعور قديم استيقظ فجأة، وأحيانًا لا يكون انسحابه رفضًا للطرف الآخر، بل حركة حماية تعلمها منذ زمن بعيد: عندما يقترب الخوف، يبتعد الجسد كي لا ينكسر. وحين نفهم هذا، نفهم لماذا قد يُوجَّه غضب كبير إلى تفصيل صغير، ولماذا قد يُقرأ طلب بسيط بوصفه تهديدًا، ولماذا قد يتحول الحوار إلى صراع إثبات بدل أن يبقى جسرًا.
في هذا الموضع تحديدًا يصبح اللوم أسهل ردّة فعل، لكنه أفقرها في النتائج. اللوم يريح لحظةً لأنه يضع المسؤولية خارجنا، لكنه يقتل الفهم ويُعيد إنتاج الصراع نفسه بصورة أكثر مرارة. الوعي يبدأ عندما نطرح سؤالًا مختلفًا عن السؤال المعتاد: هل ما يحدث الآن عني فعلًا؟ أم عن جرح قديم استيقظ؟ هل ردة الفعل موجّهة ضدي بوصفى شخصًا، أم موجّهة إلى خوف داخلي يستخدم وجهي كهدف لأنني الأقرب؟ عندما نرى هذا الفرق، نتوقف تدريجيًا عن الدخول في معركة دفاع وإثبات، لأننا ندرك أن بعض الانفعالات لا تحتاج إلى انتصار، بل تحتاج إلى فهم وتسمية وتهدئة. والوعي هنا لا يعني التنازل عن الكرامة أو قبول الأذى، بل يعني أن نختار استجابة لا تُغذي الجرح ولا تُضاعف النار: أن نرد بهدوء حين يكون الهدوء أقوى، وأن نضع حدودًا واضحة دون قسوة، وأن نطلب ما نحتاجه دون هجوم، وأن نفهم أن الحدة في الداخل ليست دائمًا حكمًا على قيمتنا.
مع ذلك، لا يجوز أن يتحول الفهم إلى تبرير. الطفولة تفسّر السلوك، لكنها لا تبرّره. أن نفهم من أين يأتي خوف الشريك لا يعني أن نُسلّم له بأن يُؤذي، وأن نعرف أن لدينا جرحًا قديمًا لا يعني أن نُحمّل الآخر مسؤوليته. في العلاقة الواعية، كل طرف مسؤول عن العمل على تاريخه النفسي، لأن الحب لا ينجح إذا صار مكانًا نختبئ فيه من أنفسنا. الوعي دون فعل يُبقي الجرح حيًا، ويجعله أكثر دهاءً في العودة على هيئة "حق" أو "طبع" أو "هذه أنا". أما العمل الذاتي الصادق، والعلاج حين يلزم، والالتزام بتعلم مهارات التنظيم العاطفي والتواصل، فهي التي تحوّل الألم من قدرٍ مُعاد إلى نضجٍ مُكتسب. ولا علاقة صحية تُبنى على انتظار أن "يُصلحني" الطرف الآخر، لأن هذا الانتظار نفسه امتداد لطفولة كانت تبحث عن منقذ بدل أن تتعلم الاستناد إلى الذات.
وحين يتحقق هذا المستوى من الوعي، تصبح العلاقة مساحة لصناعة أمان جديد بدل إعادة إنتاج الماضي. الأمان لا يعني غياب الخلاف، بل وجود طريقة ناضجة لإدارته. التواصل الصادق، والتعبير عن الاحتياجات دون اتهام، واحترام الحدود، والقدرة على الاعتذار والإصلاح بدل الدفاع، كلها أدوات تبني خبرة لم نعرفها سابقًا، خبرة تقول للجهاز العصبي: القرب ليس خطرًا، والحوار ليس محكمة، والاختلاف ليس إعلان نهاية. ومع كل مرة يُدار فيها الخلاف بوعي، يتغير شيء في الداخل: ينخفض مستوى التهديد، وتُعاد كتابة الذاكرة العاطفية تدريجيًا، ويصبح الحب أقل استنزافًا وأكثر اتساعًا.
والأثر لا يقف عند الشريكين. ما نبنيه أو نُهمله ينتقل، غالبًا دون قصد، إلى الجيل التالي. الطفل لا يتأثر بما نقوله له بقدر ما يتأثر بما نعيشه أمامه: كيف نختلف، كيف نتصالح، كيف نضع حدودًا، كيف نحترم أنفسنا والآخر. وما لا نُعالجه في علاقتنا قد نمرّره كقالبٍ جاهز إلى أطفالنا، ليس لأننا نريد ذلك، بل لأنهم يتعلمون من الجوّ العاطفي أكثر مما يتعلمون من النصائح. لذلك فإن صناعة أمان جديد بين شريكين ليست رفاهية رومانسية، بل مسؤولية تربوية وإنسانية أيضًا.
الحب الحقيقي ليس أن نحب بلا ألم، بل أن نحب بوعي. القرب يوقظ الجراح لأن القرب يقترب من مناطقنا الحساسة، والنضج لا يعني غياب الجراح، بل القدرة على التعامل معها بمسؤولية حتى لا تتحول إلى سلاحٍ ضد الآخر أو ضد الذات. نعم، حين نحب ندخل طفولة الآخر، ونُدخل الآخر إلى طفولتنا، لكن بالوعي نستطيع ألا نضيع فيها، وألا نحول العلاقة إلى مسرحٍ لإعادة تمثيل الماضي، وألا نُغرق أطفالنا في دوامةٍ لم ننتبه يومًا أنها كانت تبدأ من هناك.
نبض