دولة القانون في العصر الرقمي بين سيادة النص وتحولات التكنولوجيا
راشد شاتيلا
في الأزمنة التي تتسارع فيها التحولات التقنية بوتيرة غير مسبوقة، لم يعد القانون مجرد منظومةٍ جامدةٍ تنظم العلاقات التقليدية بين الأفراد، بل أصبح إطاراً دينامياً يتفاعل مع واقع رقمي يعيد تشكيل مفاهيم السيادة، والخصوصية، والمسؤولية، والعدالة.
إن الدولة التي تسعى إلى ترسيخ حكم القانون اليوم مطالبة بأن تواجه سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن صون المبادئ القانونية الكلاسيكية في بيئة تحكمها الخوارزميات وتدار فيها القرارات عبر أنظمة ذكية؟
إن سيادة القانون تعني، في جوهرها، خضوع السلطة للقواعد العامة المجردة، وضمان المساواة أمام القضاء، وحماية الحقوق والحريات الأساسية. غير أن التطور التكنولوجي أوجد مساحات جديدة للفعل الإنساني لم تكن مألوفة سابقاً: المعاملات الإلكترونية، التوقيع الرقمي، المنصات العابرة للحدود، البيانات الضخمة، وأنظمة الذكاء الاصطناعي التي تتخذ قراراتٍ ذات أثرٍ مباشرٍ على الأفراد. وهنا يبرز التحدي القانوني: من يتحمل المسؤولية؟ وكيف تُحمى الحقوق؟ وما حدود الرقابة القضائية على القرارات المؤتمتة؟

التكنولوجيا ليست خصماً للقانون، بل أداة يمكن أن تعزز فعاليته إذا أُحسن توظيفها. فالأرشفة الرقمية للأحكام، واعتماد التقاضي الإلكتروني، وتطوير قواعد بيانات تشريعية مفتوحة، كلها وسائل تعزز الشفافية وسهولة الوصول إلى العدالة. كما أن استخدام أنظمة تحليل البيانات يمكن أن يساهم في توحيد الاجتهادات القضائية وتقليل التباين غير المبرر في الأحكام، شرط ألا يحل التحليل الإحصائي محل السلطة التقديرية للقاضي.
أما الذكاء الاصطناعي، فقد دخل بالفعل في مجالات متعددة: من تقييم المخاطر في بعض الأنظمة القضائية، إلى المساعدة في صياغة العقود، وتحليل السوابق القضائية، واكتشاف أنماط الاحتيال المالي. غير أن الاعتماد على أنظمة ذكية يفرض جملة من الضوابط القانونية والأخلاقية، في مقدمها:
1.مبدأ الشفافية الخوارزمية: يجب أن يكون من الممكن تفسير الأساس الذي بُني عليه القرار المؤتمت، خصوصاً إذا مسّ بحقوق الأفراد.
2.المسؤولية القانونية: لا يجوز أن تتحول الخوارزمية إلى "فاعل مجهول". فالمطور، والمستخدم، والجهة المشغلة، كلهم يخضعون لقواعد المسؤولية المدنية أو الجزائية بحسب الأحوال.
3.حماية البيانات الشخصية: إذ تمثل البيانات الوقود الأساسي للأنظمة الذكية، وأي استخدام غير مشروعٍ لها يُعدّ انتهاكاً مباشراً للخصوصية.
4.الرقابة القضائية الفعالة: ينبغي أن يظل القرار النهائي، متى تعلق بحقوقٍ جوهريةٍ، قابلاً للطعن أمام قضاءٍ مستقلٍ.
إن إدماج التكنولوجيا في المنظومة القانونية لا يعني التفريط بالمبادئ، بل يستوجب إعادة تأصيلها في ضوء الواقع الجديد. فمبدأ الشرعية، مثلاً، يقتضي أن تكون القواعد الناظمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي محددةً وواضحةً. ومبدأ المساواة أمام القانون يفرض ضمان عدم انحياز الأنظمة الذكية بسبب بيانات غير متوازنة أو تصميمٍ غير منضبطٍ.
ومن زاويةٍ أخرى، تتيح التكنولوجيا فرصاً حقيقية لتعزيز العدالة. فالتقنيات الحديثة يمكن أن تقلّص تكلفة التقاضي، وتُسهّل وصول الأفراد في المناطق البعيدة إلى الخدمات القضائية، وتدعم مكافحة الفساد عبر أنظمة تتبعٍ إلكترونيةٍ تقللّ من التدخل البشريّ غير المشروع. كما يمكن الذكاء الاصطناعي أن يكون أداةً مساعدةً للقاضي، لا بديلاً منه، في فرز الملفات وتحليل المعطيات، بما يسرّع الإجراءات ويحافظ على جودة الأحكام.
غير أن الخطر يكمن في الانبهار غير المدروس بالتقنية. فالقانون، في جوهره، يقوم على قيمٍ إنسانيةٍ: العدالة، والإنصاف، والكرامة. وهذه القيم لا يمكن اختزالها بمعادلاتٍ رياضيةٍ. لذلك، يجب أن يبقى الإنسان في مركز العملية القانونية، وأن تُستخدم التكنولوجيا وسيلةً لخدمة العدالة، لا سلطةً موازيةً لها.
إن بناء دولة قانون في العصر الرقمي يتطلب رؤيةً تشريعيةً متقدمةً، تقوم على تحديث القوانين بما يواكب الابتكار، من دون التضحية بالضمانات الأساسية. كما يتطلب استثماراً في تأهيل القضاة والمحامين والموظفين لفهم الأدوات التقنية الجديدة، وتطوير ثقافةٍ قانونيةٍ قادرةٍ على استيعاب مفاهيم مثل الحوكمة الرقمية، والأمن السيبراني، والمسؤولية عن الأنظمة الذكية.
في النهاية، ليست المعادلة صراعاً بين القانون والتكنولوجيا، بل هي سعيٌ إلى تحقيق توازنٍ دقيقٍ بين استقرار القواعد ومرونة الاستجابة. فإذا نجحت الدولة في ضبط هذا التوازن، أمكنها أن تحوّل الثورة الرقمية من مصدر قلقٍ قانونيِّ إلى فرصةِ تاريخيةِ لتعزيز الشفافية، وتسريع العدالة، وترسيخ الثقة بين المواطن والمؤسسات.
وهكذا، يبقى القانون، مهما تبدلت الوسائل، التعبير الأسمى عن إرادة المجتمع في تنظيم ذاته على أساسِ من العقل والعدل، فيما تبقى التكنولوجيا أداةً في يد الإنسان، لا بديلاً من ضميره.
نبض