ترسيم الحدود البحريّة بين لبنان وسوريا: المنطقة المُتنازع عليها 1011 كيلومتراً مربّعاً

اقتصاد وأعمال 22-02-2026 | 17:15

ترسيم الحدود البحريّة بين لبنان وسوريا: المنطقة المُتنازع عليها 1011 كيلومتراً مربّعاً

يعتبر ترسيم الحدود البحريّة بين لبنان وسوريا خطوة أساسيّة نحو استثمار الموارد البحريّة المُشتركة...
ترسيم الحدود البحريّة بين لبنان وسوريا: المنطقة المُتنازع عليها 1011 كيلومتراً مربّعاً
علم لبنان (أرسيفية).
Smaller Bigger

العميد الركن المتقاعد خليل الجميّل

 


منذ أن باشر لبنان تحضيرات ترسيم حدوده البحرية، برزت قضية الترسيم البحري مع سوريا كأحد الملفاّت الإقليميّة الشائكة التي تُثير الكثير من الجدل والتعقيد. وحالياً يتزايد الاهتمام بها نظراً لما قد تحتويه المنطقة المُتنازع عليها بين البلدين من إمكانيّات موعودة من الثروات البحريّة، لا سيّما النفط والغاز، ما يجعلها مسألة حساسة بالنسبة لكليهما. وبالرغم من محاولات عدّة لحل هذه القضية، لا يزال التوصّل إلى اتفاق واضح أمراً بعيد المنال، حيث يظل هذا الملف محط ّخلافات قانونيّة وسياسيّة معقدة.
في عام 2007، طرحت وزارة النفط السوريّة أربعة بلوكات بحريّة للتنقيب، بمساحة إجمالية تقدر بحوالي 5000 كلم²، في خطوة تهدف إلى جذب الاستثمارات في قطاع النفط والغاز. وفي عام 2011، قررت سوريا تعديل التقسيمات السابقة، فطرحت ثلاثة بلوكات جديدة للمنطقة نفسها في المياه البحريّة السورية، وألغت التقسيم الأول. وحدّد لبنان في العام نفسه، عبر المرسوم الرقم 6433/2011، حدود منطقته الاقتصاديّة الخالصة من طرف واحد، من الجهات الثلاث شمالاً وغرباً وجنوباً. مع العلم أن لبنان كان قد انضم سابقاً إلى الاتفاقيّات البحريّة الدوليّة لقانون البحار والتي وضعتها الأمم المتحدة، ورسّم لاحقاً وباتفاقيّات ثنائية رسميّة حدوده البحريّة الجنوبيّة والغربيّة، وهو ما يختلف تماماً عن سوريا التي لم ترسّم حدودها مع أيّ دولة ساحليّة مُجاورة أو مُقابلة لها، ولم تنضمّ إلى أيّ من اتفاقيّات الأمم المتحدة لقوانين البحار.
أثار ترسيم لبنان حدوده البحريّة من طرف واحد اعتراضات رسميّة من الجانب السوري، ففي عام 2014 اعتبرت سوريا أن المرسوم اللبناني "لا أثر قانونياً له" واعتبرته مجرد "إخطار" غير مُلزم. كما اعترضت سوريا على التداخلات البحريّة بين البلوكات اللبنانيّة والسوريّة، حيث إنه بعدما قسّم لبنان منطقته الاقتصاديّة الخالصة المحدّدة بالمرسوم المذكور إلى عشرة بلوكات نفطيّة عام 2017، بعثت السفارة السوريّة في بيروت مذكرة رسميّة تعبّر عن رفضها للتقسيمات اللبنانيّة للحدود البحريّة الشماليّة معها، مطالبةً بتحديد الحقوق البحريّة بين البلدين بناءً على القوانين الدوليّة، بالرغم من عدم انضمامها للاتفاقيّات البحريّة الدوليّة. 

 

عام 2021، أعادت سوريا تقسيم البلوكات البحريّة المخصّصة للتنقيب في البحر للمرة الثالثة، وأعلنت عن تلزيم البلوك الرقم 1 السوري الجديد والمُحاذي للحدود اللبنانية الشماليّة إلى شركة "كابيتال ليمتد" الروسيّة. وكان لافتاً أن الخريطة الجديدة للبلوك الرقم 1 السوري تداخلت مع بلوكين لبنانيين، حيث تداخل هذا البلوك السوري، مع البلوك اللبناني الرقم 1 بمساحة 450 كلم² ومع البلوك اللبناني الرقم 2 بمساحة 300 كلم².  (انظر الخريطة)

 

اعتمد لبنان في ترسيمه البحري مع سوريا على مبدأ "خط الوسط/ ظروف ذات صلة" الذي يأخذ في اعتباره الظروف الجغرافيّة الخاصة للمنطقة، لا سيما تأثير الجُزر والنتوءات الصخريّة اللبنانيّة التي تقع مُقابل شاطئ طرابلس، وبالأخصّ جزيرة رامكين، مع حسبان تأثير الجُزر السورية المقابلة لمحافظة طرطوس، ولا سيّما جزيرة أرواد، وهو مبدأ مدعوم بحجج قانونيّة قوية. أمّا سوريا، فقد رسّمت حدود بلوكاتها النفطيّة البحريّة مع لبنان وفق "الخط الموازي لخطوط العرض"، وهي طريقة لا تدعمها أسس قانونيّة متينة بما يكفي.

 

رسّم لبنان حدوده الغربية رسمياً مع قبرص عام 2025 وفق طريقة خط الوسط!! واعتبر الطرفان أن النقطة الثلاثيّة مع سوريا هي النقطة اللبنانيّة الشماليّة الأخيرة ذات الرقم 7، بينما تعتبر سوريا أن النقطة الثلاثيّة هي النقطة اللبنانية الرقم 5، أو أي نقطة أخرى تقع على امتدادها الغربي وفق زاوية 270 درجة تنطلق من البر عند سرير النهر الجنوبي الكبير، ما يجعل المنطقة المُتنازع عليها مع لبنان حوالي 1011 كيلومتراً مربّعاً بالحدّ الأدنى (انظر الخريطة). 

 

إن هذا التضارب في أساليب الترسيم يعتبر أمراً طبيعياً في العلاقات بين الدول الساحليّة المُتجاورة، حيث يحق لكلّ طرف أن يسعى لتحقيق أقصى استفادة من حدوده البحريّة، ما يتطلب، استناداً إلى القانون الدولي، الوصول إلى تفاهمات بين الأطراف المعنيّة. 
في مطلق الأحوال، تبقى الآلية المُثلى لتسوية هذا الملف هي التفاوض المباشر بين لبنان وسوريا، بما يتماشى مع القوانين الدوليّة ويأخذ بعين الاعتبار مصالح البلدين في قطاع النفط والغاز. وعليه، في حال التوصل إلى اتفاق بشأن ترسيم الحدود البحريّة، يصبح من الضروري وضع آلية مُشتركة لتقاسم الموارد البحريّة بين البلدين، لا سيّما أن مثل هذا الاتفاق سيشجع الشركات العالميّة على التقدم بعروضها لاستثمار الثروات الطبيعيّة في هذه المنطقة البحريّة، ما يعود بالنفع على لبنان وسوريا على المدى الطويل، خاصّةً أن الشركات النفطية لا تعمل في مناطق مُتنازع عليها خوفاً من التبعات القانونيّة.

 

في الختام، يعتبر ترسيم الحدود البحريّة بين لبنان وسوريا خطوة أساسيّة نحو استثمار الموارد البحريّة المُشتركة، لكنه يبقى مفتوحاً على العديد من التحديات القانونيّة والسياسيّة. لكن مع اعتماد خيار التفاوض بناءً على مبادئ القانون الدولي، من المتوقع أن يتمّ إيجاد حل عادل يضمن مصلحة كلا البلدين، ويساهم في تحفيز الاستثمارات النفطيّة الحيويّة في هذه المنطقة.

 

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 2/20/2026 7:38:00 AM
غراهام: إذا استُبدل نظام إيران بالشعب الإيراني، فسيؤدي ذلك إلى مستقبل مشرق لإيران ويفتح مساراً جديداً للتطبيع
تحقيقات 2/20/2026 6:41:00 AM
خلال الحرب المستمرة على غزة، تبخرت جثامين ما يقارب من 3000 فلسطيني دون أثر.
المشرق-العربي 2/20/2026 9:14:00 AM
حماس: أي مسار سياسي أو ترتيبات تناقش بشأن قطاع غزة ومستقبل شعبنا الفلسطيني يجب أن تنطلق من وقف كامل للعدوان 
لبنان 2/21/2026 2:00:00 PM
الجيش الإسرائيلي: تم القضاء على عناصر من الوحدة الصاروخية في حزب الله في غارات أمس على منطقة بعلبك