أمر الله المكتوب
سعد نسيب عطاالله
تربيت منذ الصغر أن أكون مؤدباً ومهذباً مع الناس، وأكون مثالاً للتربية الصالحة التي نشأت عليها في بيت "فلاح قروي" يملك عقارات عديدة، ورثها عن المرحوم جدي، وجعل منها جنائن غنّاء، تموج بالمواسم والخيرات وعطاءات الخالق الذي منح المرحوم الوالد بركة اليدين في حرث الأرض المباركة وزرعها.
شاء المرحوم الوالد أن ينقذني من الاستهلاك التربوي الذي كان سائداً حينئذ في ابتدائية القرية، وأرسلني الى مدرسة خاصة عريقة، لا يتحمل أقساطها السنوية الخيالية سوى الأثرياء.
علمني المرحوم الوالد أن حقول العطاء لا تنتج إذا لم تخضع دورياً للتقليم، أي نزع ما يستهلك نموها المستدام، حتى تزهو بعدئذ بالثمار والفاكهة البهية الشهية.
كنت دائماً مكلفاً جمع ما يسقط على الأرض بعد التقليم، حتى وإن استدعى ذلك قدومي مشياً مسافة تتعدى عشرة كيلومترات بين المدرسة والحقل، حتى تغفو الحقول على فراش خال من القمامة البيئية التي كانت تشكل عبئاً على نموّها وعطائها.
علمتني المدرسة أن وفرة المال هي هاجس أبناء الفقراء الذين يفتقدونه، وليست هاجس أبناء الأثرياء والملوك، لأن خزائن الدول هي خزائنهم حتى وإن لم تجمعها جهود آبائهم المفقودة.

تعلمت ايضاً أن العثور على ساعة مصنوعة من الذهب الخالص في باحة المدرسة، لا يعطيني حقي أخذها، بل تسليمها الى الإدارة حتى تعود إلى إبن الثري او الملك الذي اشتراها له، علماً أنني لم أكن أملك ساعة معدن رخيص.
تعلمت معرفة حدود حقوقي وحدود واجباتي في وقت مبكر، ولن أبدل تبديلاً.
علمتني الحياة أن من يسرق تعبي ومالي ووقتي هو لص موصوف يجب قطع دابر فعلته بالتي هي أحسن، حتى وإن طال هذا الصراع.
وعليه، علمتني السنوات الست الماضية، أن تجميد المصارف ودائعي المصرفية هو عمل لصوصي موصوف، وأن عليّ المثابرة للنيل من حقوقي المسلوبة، إعتماداً على نفسي قبل كل شيء، وليس على الذكاء الإصطناعي، أو الدولة ومؤسساتها المنخورة بالفساد.
إن ودائعي المصرفية هي عقود قانونية خاصة محصورة بيني شخصياً وبين إدارة كل مؤسسة مصرفية معنية بالأمر، وسوف أعمل جاهداً على مواصلة المساعي مع هؤلاء "المصرفيين"، الى أن يأتي الله أمراً كان مكتوباً.
نبض