شفيق طاهر
بعد عام 2022، لم تعد أسواق السلع الأساسية تتحرك كجوقة واحدة تنشد على لحن العرض والطلب العالمي: نموّ اقتصادي فترتفع الأسعار، تباطؤ اقتصادي فتتراجع. المشهد تبدل، أصبحنا أمام تباين صارخ بين قطاعين كانا يبدوان في عيون كثيرين جزءاً من حزمة واحدة: المعادن من جهة، والطاقة من جهة أخرى. المعادن الصناعية منها والثمينة تميل إلى الصعود، فيما تبدو الطاقة أكثر ليونة وأقل اندفاعاً. بات هذا الانفصال يختصر باستعارة لافتة، دورة التمساح، فكان يتسعان، فكّ المعادن يعلو، وفكّ الطاقة يتلكأ.
اللافت أن هذه التسمية لا تقدم بوصفها نكتة بلاغية، بل طريقة لقراءة نظام تسعير جديد. في التداولات والتحليلات السوقية، تنسب عبارة دورة التمساح إلى محللي السلع في بنك جيه بي مورغان، وقد ارتبطت في النقاشات العامة برؤى ناتاشا كانيفا، المديرة التنفيذية في البنك ورئيسة فريق استراتيجية وأبحاث السلع العالمية وفريقها، كصياغة تصف هذا الانفصال الذي تعمق بعد 2022، حين لم تعد السياسة والأمن وقيود العرض تفاصيل على هامش السعر، بل صارت في كثير من الأحيان جزءاً من صناعته.
معادن تصعد لأن الطلب تغير
أول ما يفسر صعود المعادن الصناعية أن الطلب لم يعد يقاس بمؤشرات تصنيع تقليدية أي مصانع تعمل أكثر أو أقل فحسب، بل أصبح يتغذى على طلب هيكلي طويل الأجل مصدره التحول الطاقوي، شبكات كهربائية أكبر، بطاريات أكثر، وسيارات كهربائية تتمدد حصتها في سوق السيارات عاماً بعد عام. هذا النوع من الطلب لا يشبه الطلب الدوري الذي يرتفع مع الانتعاش ويهبط مع الركود؛ إنه طلب يريد أن يظل قائماً لأنه جزء من تغيير بنيوي في الاقتصاد.
ثم جاءت موجة ثانية لا تقل تأثيراً: مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية. فالعالم الذي يستهلك الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية لا يعيش على الهواء، بل يعيش على النحاس والألومنيوم ومعدات الشبكات. لذلك يمكن أن ترى مؤشرات تصنيع متباينة في بعض الاقتصادات، ومع ذلك يبقى الطلب على معادن بعينها متماسكا، لأن هناك قطاعات تنمو خارج القصة الكلاسيكية للصناعة الثقيلة.
الذهب ليس ملاذاً فقط
في قلب فكّ المعادن، يظهر الذهب بوصفه أكثر الحالات دلالة على تغير قواعد اللعبة. الفكرة هنا لا تقف عند أن الجيوسياسة تدعم السعر، بل تتجاوزها إلى أن الذهب دخل مرحلة طلب هيكلي يقوده مشتر جديد شديد الغنى، البنوك المركزية.
إن تجميد الأصول السيادية الروسية بعد غزو أوكرانيا لم يكن حدثاً مالياً عابراً، إذ فتح نقاشاً واسعاً حول معنى أن تصبح الأصول الاحتياطية في لحظة سياسية ما هدفاً قابلاً للتعطيل.
هذه الواقعة رفعت درجة الحساسية لدى كثير من الدول، فالاحتياطي ليس رقماً في الدفاتر بل سيادة مالية. وعندما يتوسع إدراك مخاطر تسييس الاحتياطيات، يصبح الذهب أكثر من ملاذٍ ظرفيّ للمستثمرين؛ يصبح أداة تحصينٍ لدى الدول نفسها.
لهذا، فإن مشتريات البنوك المركزية من الذهب بأحجامها القياسية تكتسب دلالة مختلفة، إنها تقول إن محركاً جديداً دخل السوق، وقد يغير لفترات طويلة العلاقات الكلاسيكية التي اعتدنا أن نقرأ بها الذهب. هنا لا يتعلق الأمر بخوف عابر فحسب، بل بإعادة ترتيب قواعد الأمان في الاحتياطيات.
الفضة، ثمينة… لكن قلبها صناعي
إذا كان الذهب يستفيد من طلب احترازي سيادي واستثماري، فإن الفضة أكثر تعقيداً لأنها معدن يعيش حياة مزدوجة، ثمين في الوعي الاستثماري، وصناعي في الاستخدام. ارتباطها بالطاقة الشمسية والإلكترونيات يجعلها قابلة للصعود مع موجات الطلب التقني، لكنها في الوقت نفسه أكثر هشاشة لأن ارتفاعها قد يسرع بحث الصناعة عن بدائل، أو يدفعها إلى خفض المحتوى المعدني في المنتجات.
لهذا يمكن للفضة أن تظهر اندفاعاً سريعاً تحت تأثير الزخم والمضاربة، ثم تواجه لاحقاً اختبار الطلب الأساسي، هل تحتاجها السوق فعلاً بهذه الأسعار؟ أم أن الأسعار تسبق الاستخدام وتفتح باب الاستبدال؟ هذا التوتر البنيوي يجعل مخاطرها أعلى بحسب المرحلة الصناعية والتقنية التي يمر بها العالم.
لماذا تتلكأ الطاقة؟
على الجهة الأخرى من فك التمساح، تبدو الطاقة وبخاصة النفط أقرب إلى حركة ألين، ارتفاعاتٍ محدودةٍ ما لم تقع صدمات إمدادٍ كبرى مرتبطة بالتوترات السياسية. صحيح أن الجغرافيا السياسية تستطيع صناعة قفزاتٍ قصيرة، لكن جزءاً من تلكؤ أسعار الطاقة يعود إلى حقيقة أن النفط ملف أمن قومي لدى دول كبرى. وعندما يصبح السعر جزءاً من الأمن، لا تعود السوق حرة بالكامل.
هنا تدخل سياسات الاستقرار وإدارة الصدمات، احتياطيات استراتيجية، تحالفات، عقوبات، إعادة هندسة للإمدادات، وضبط للإيقاع حين ترتفع الأسعار بما يهدد الاقتصاد أو السياسة. لذلك يمكن القول إن الطاقة تسعر اليوم بميزان الأمن والاستقرار أكثر مما تسعر بميزان دورة الطلب وحدها. وهذا تحديداً ما يجعل فكّ الطاقة أبطأ، لأن هناك من يحاول إبقاءه ضمن حدود مقبولة.
السياسة لم تعد هامشاً… بل صارت جزءاً من السعر
دورة التمساح ليست مجرد استعارة لطيفة، بل توصيف لنظام تسعير يتشكل أمامنا، معادن تقودها تحولات هيكلية وقيود عرض وعنق زجاجة جغرافي وتنظيمي، في مقابل طاقة تدار سياسياً وأمنياً بدرجة أكبر، وتتحرك ضمن حدود تراعي الاستقرار.
وفي عالم كهذا، يصبح تحليل السلع أقرب إلى قراءة خرائط نفوذ وسلاسل إمدادٍ وقرارات دول، لا مجرد مقارنة رسوم بيانية للعرض والطلب. لأن السياسة لم تعد تفصيلًا في الحاشية… بل أصبحت، في كثير من الأحيان، السعر نفسه.
نبض