عندما يصبح التحول الرقمي ضرورة لبقاء الدولة

منبر 20-02-2026 | 12:09

عندما يصبح التحول الرقمي ضرورة لبقاء الدولة

في بلد يعاني ركوداً اقتصادياً وتراجعاً في الاستثمارات وتضخماً في كلفة المعاملات اليومية، يصبح التحول الرقمي أحد المسارات القليلة القابلة للتطبيق بكلفة أقل وأثر أوسع.
عندما يصبح التحول الرقمي ضرورة لبقاء الدولة
صورة تعبيرية.
Smaller Bigger

الياس نعيم 

لم يعد التحول الرقمي في لبنان ترفاً إدارياً، بل صار خياراً وطنياً بامتياز، مرتبطاً مباشرة بقدرة الدولة على الاستمرار، وبحق المواطن في خدمات لائقة تحفظ وقته وكرامته. التحول الرقمي ليس مسألة تقنية فقط، بل رافعة اقتصادية حقيقية، فإدارة أكثر كفاءة تعني هدراً أقل، ومعاملات أسرع تعني إنتاجية أعلى، وخدمات واضحة تعني ثقة أكبر، وكلها عناصر يفتقدها الاقتصاد اللبناني منذ سنوات. 

 

في بلد يعاني ركودا اقتصاديا وتراجعا في الاستثمارات وتضخما في كلفة المعاملات اليومية، يصبح التحول الرقمي أحد المسارات القليلة القابلة للتطبيق بكلفة أقل وأثر أوسع، من تسهيل إقامة المشاريع الصغيرة والمتوسطة، إلى زيادة ثقة المستثمرين والمواطنين على حد سواء في الاقتصاد الوطني.

 

في هذا السياق، جاءت موافقة مجلس المديرين التنفيذيين في البنك الدولي على تمويل بقيمة 150 مليون دولار لدعم مشروع "التسريع الرقمي في لبنان"، ليس كهدف بذاته، بل كأداة ضمن رؤية أوسع لإعادة بناء الإدارة العامة على أسس حديثة وأكثر شفافية، وتوفير بيئة اقتصادية أكثر استقراراً ونمواً. ويأتي هذا التوجه ضمن جهود متكاملة بين مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية ووزارة الدولة لشؤون تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي، وكان آخرها الاتفاق على إطلاق مشروع الهوية الرقمية والبنية التحتية الوطنية الرقمية بالشراكة مع وزارة الداخلية والبلديات.

 

كذلك تعمل وزارة الاقتصاد والتجارة على رقمنة خدماتها تدريجا لتسهيل الإجراءات على الشركات ورواد الأعمال، وكان آخر هذه الجهود إطلاق مكتب المساعدة التجارية الوطني لدعم المصدرين والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، الذي يقدم خدمات رقمية متطورة تشمل روبوت محادثة ثنائي اللغة واستشارات متخصصة عبر نظام حجز إلكتروني.

 

أين يقف لبنان اليوم؟
الواقع الإداري في لبنان يعكس أزمة متراكمة منذ عقود، إذ يعود آخر إصلاح جذري للإدارة العامة إلى ستينيات القرن الماضي. واليوم، تعاني الإدارة شغورا واسعا وتضاربا في الصلاحيات، إلى جانب تشريعات قديمة لا تواكب متطلبات العصر، فضلاً عن المحاصصة السياسية التي أضعفت فاعلية الدولة وعمّقت فجوة الثقة مع المواطنين.

 

ويحتل لبنان المرتبة 126 عالمياً في مؤشر الحكومة الإلكترونية، ويدفع المواطن ثمن هذا الواقع عبر ساعات طويلة في طوابير الإدارات للحصول على وثيقة بسيطة، وغالباً ما يجد نفسه مضطراً إلى الاعتماد على "الواسطة" أو دفع الرشى لتسيير معاملته.
في هذا السياق، يبرز التحول الرقمي حاجة ملحّة لا تحتمل التأجيل، إذ يشدد وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية فادي مكي، على أن الرقمنة لم تعد خياراً تقنياً، بل هي شرط أساسي لبقاء الدولة وقدرتها على تقديم الحد الأدنى من الخدمات لمواطنيها.

 

مشروع طموح بمحاور متعددة
يمتد مشروع التسريع الرقمي على خمس سنوات (2026–2031)، بتمويل إجمالي يصل إلى 185 مليون دولار، منها 150 مليوناً من البنك الدولي و35 مليونا من القطاع الخاص. يهدف المشروع إلى إرساء أسس دولة رقمية حديثة قادرة على تقديم خدمات أكثر كفاءة وشفافية، وتقليص الفجوة المزمنة بين المواطن والإدارة.

 

يتوزع المشروع على ثلاثة محاور رئيسية: أولاً، الأسس الرقمية (87.5 مليون دولار) التي تشمل إنشاء بنية تحتية رقمية آمنة للدولة عبر منصات سحابية حكومية ومراكز بيانات حديثة موزعة جغرافياً، إلى جانب تأسيس منظومة وطنية للأمن السيبراني قادرة على حماية البيانات وضمان استمرارية الخدمات حتى في حالات الطوارئ.

 

ثانياً، الممكّنات الرقمية (80 مليون دولار) وهو الجزء الأكثر تماساً مع حياة المواطنين، ويشمل الهوية الرقمية، وبطاقات الهوية الوطنية الجديدة، والتوقيع الإلكتروني، ورقمنة السجل المدني، ومنصات تبادل البيانات بين الإدارات، إضافة إلى تدريب رقمي واسع النطاق لنحو 100 ألف شخص. الهدف هو تمكين المواطن والموظف من استخدام الخدمات الرقمية بثقة وسهولة.

 

ثالثاً، رقمنة الخدمات ذات التأثير العالي (10 ملايين دولار) التي تركّز على مجموعة مختارة من الخدمات الحكومية الأكثر استخداماً وتأثيراً، بما يسمح للمواطن بإنجاز معاملاته الأساسية عن بُعد، بسرعة وشفافية.

 

يتضمن المشروع أيضاً إطاراً موحّداً لإدارة التنفيذ والحوكمة، يشمل إشراك المواطنين والمجتمع المدني، وآلية مرنة للاستجابة للطوارئ، بهدف ضمان الشفافية والمتابعة والقدرة على التكيّف مع الأزمات غير المتوقعة (7.5 ملايين دولار).

 

ماذا يتغير في حياة الناس؟
بالنسبة إلى المواطن، يعني التحول الرقمي تقليص الوقت والكلفة، وتقليل الاعتماد على "الواسطة"، وتسهيل الوصول إلى الخدمات، خصوصاً للنساء وكبار السن وذوي الإعاقة. اقتصادياً، يفتح الباب أمام فرص عمل جديدة في القطاع الرقمي، ويحسّن بيئة الأعمال، ويخفف كلفة المعاملات على الشركات الناشئة، كما يفتح المجال أمام دمج الخدمات المالية الرقمية مثل المحافظ الإلكترونية ضمن الخدمات الحكومية، ما يسهّل الدفع ويعزّز الشمول المالي، ويخفّف الاعتماد على النقد.

 

في مكافحة الفساد، التجربة العالمية واضحة: كلما قلّ الاحتكاك المباشر بين المواطن والإدارة، تعززت الشفافية وتقلّصت الرشوة والمحسوبية، وإن كان التحدي الأكبر يبقى في تغيير السلوكيات لا القوانين فقط. وعلى الرغم من المخاطر الحقيقية المرتبطة بعدم الاستقرار السياسي ومحدودية الموارد البشرية وقِدَم التشريعات، وهو ما دفع البنك الدولي إلى تصنيف مستوى المخاطر بأنه "عالٍ"، يكمن الفارق هذه المرة في الاعتراف الصريح بهذه التحديات ووضع آليات واضحة لتخفيفها، مما يجعل الرقمنة خطوة أساسية وجادة في هذا الاتجاه.

في الخلاصة، التحول الرقمي في لبنان ليس عصاً سحرية، ولا بديلاً من الإصلاح السياسي والاقتصادي الشامل، لكنه قد يكون أكثر المداخل واقعية لإعادة تنظيم الدولة وتحسين أدائها في بلد محدود الموارد ويعاني إرثا إداريا ثقيلا. لبنان اليوم أمام اختبار حقيقي: إما أن يستخدم التحول الرقمي أداة لإعادة ابتكار الدولة، وإما أن يضيفه إلى قائمة الفرص الضائعة.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الولايات المتحدة 2/25/2026 10:40:00 PM
صورة لـ "ستيفن هوكينغ" في ملفات جيفري إبستين تُعيد الجدل حول رحلته إلى جزر العذراء
واشنطن تشترط اتفاقاً نووياً دائماً مع إيران...
تشغل أنظمة رادار متطورة بتقنية (LPI)، التي تسمح لها بمسح ورصد الأهداف في عمق الأراضي المعادية دون أن تكتشف hgرادارات وجودها أو تردداتها.
سياسة 2/25/2026 5:10:00 PM
القوات اللبنانية: الفنان رشدان إنسانٌ حرّ يتمسّك بحريته