أخلاقٌ "على الموضة"... وضميرٌ "بالمَفْرَق"
الياس الياس
في مضافاتنا العتيقة، حيث كان الحكماء يقطرون المعنى من حبات الزيتون ومن فيء السنديان، تعلمنا أن الكلمة أمانة، وأن الفطرة لا تخطئ إلا إذا لوثتها موازين المصالح. كان "الختيارية" يقولون: "يا بني، خذ من السنديانة صمودها، ومن الساقية صفاها". هناك، لم يكن الضمير يحتاج إلى عسكر أو رقيب، بل كان "الخجل" هو الحاكم الأوحد.
ومصيبتنا الكبرى اليوم أننا صرنا نقيس الأخلاق بمقياس "النظر"، ونفصّل المبادئ على قدر "الهوى"، حتى أمست تلك العبارة السائرة: "العين ما بتشوف، القلب ما بيوجع" هي الدستور غير المكتوب الذي يسوس حياتنا. هذا المثل ليس في حقيقته سوى ستارة سميكة نسدلها فوق عيوبنا، وصك براءة نمنحه لضمائرنا كي تغطّ في نوم عميق، بينما العالم من حولنا يغلي بظلمٍ لا تراه عيوننا، أو بوجعٍ لا يطرق أبواب حواسنا مباشرة.
إننا نعيش زمن "أخلاق الفاترينات"؛ تلك التي تُعرض للزينة والتباهي، أما في باطن "الدكان"، فالموازين تختلف، والمكاييل تتعدد بحسب وجوه الزبائن. نحن نجزّئ تعاطفنا كما نجزّئ أرزاقنا؛ نهتزّ لموت عصفور على شرفتنا، ونمر ببرود مريب أمام خبر سقوط عمارة على رؤوس ساكنيها في مدينة لا نزورها. إنها "الحميمية الانتقائية" التي جعلت الحق مرتبطاً بصلة الدم أو القرب المكاني، أما "الإنسان" المجرّد فقد سقط من حساباتنا الوجدانية لأنه غريب عن حدود دائرتنا الضيقة.

هذا الانفصام يتجلى بأبشع صوره حين نرى ذاك الذي يرقّ قلبه لكلبٍ جائعٍ يئنّ تحت نافذته، فيهرع ليطعمه قطعة لحم من شاة ذُبحت في المسالخ البعيدة. هنا، ينام الضمير على حرير البطولة الزائفة؛ فالكلب حاضر له صوت ونظرة، أما الشاة فقد غابت عن المشهد وتحولت إلى "بروتين" مسلوب الهوية. وكذلك هي حالنا مع الفقير؛ نبكي لمشهد في فيلم سينمائي، بينما نغلق زجاج سياراتنا أمام يدٍ ممدودة لفقير يسكن الضواحي المنسية.
والمأساة الأكبر تمتد لتضرب عمق السلوك في الأسواق والمكاتب. فكم من "مؤمن" يمسح أثر السجود عن جبهته صباحاً، ثم يدخل ميدان العمل فيتحول إلى ذئب كاسر، يغشّ في الميزان، أو يرتشي تحت مسمى "التسهيلات"، أو ينهب عرق الأجير بدم بارد. هو في المعبد إنسان، وفي "الزواريب" إنسان آخر؛ يترك تقواه على العتبة، ويمارس "شطارة" تبرّر الموبقات بلوم "الزمان". إن التقوى التي لا تمنع صاحبها من غبن الشريك هي صلاة لم تتجاوز الحناجر.
يقول حكماء الضيعة: "كل شاة تُعلق من عرقوبها"، وهذا صحيح في موازين الحساب، لكن في موازين الحياة، فإن صمتنا عن الظلم الواقع على "البعيد" هو الذي يمهد الطريق ليصل الظلم إلى أبوابنا. الرحمة الحقيقية هي تلك التي تتحرك حيال "الوجود" بصفته وجوداً، لا بصفته مصلحة. والعدل الحقيقي هو الذي يسأل عن "المنسيين" تحت الأنقاض قبل أن يتباهى بإنصاف "المقربين".
إن البركة في "الاستقامة" لا في "الشطارة"، وفي "الأمانة" لا في "التسهيلات". ومن أضاع بوصلة الضمير في زواريب الدنيا، لن يجدها في ردهات القصور.
نبض