كيف يمكن مصرف لبنان رغم انهيار المصارف ان يستخدم السياسة النقدية لتمويل الإنتاج؟
جمال إبراهيم حيدر (*)
في خضمّ الانهيار الاقتصادي والمالي الذي يعيشه لبنان منذ سنوات، تتجدّد الأسئلة عما إذا كانت السياسة النقدية لا تزال تملك أدوات فاعلة لدعم الاقتصاد الحقيقي، ولا سيما القطاع الخاص، في ظل نظام مصرفي شبه مشلول، وثقة مفقودة بين المواطنين والمؤسسات المالية. غير أن التركيز الحصري على محدودية الأدوات التقليدية يُغفل حقيقة أساسية، هي أن السياسة النقدية، إذا ما أُعيد تصميمها على نحو مبتكر وموجّه، يمكن أن تؤدّي دورا محوريا في تنشيط المبادرة الخاصة، وتحقيق قدر من الاستقرار النقدي، وفتح قنوات تمويل جديدة أمام رواد الأعمال والمؤسسات القائمة.
الواقع الراهن يُظهر أن الأزمة اللبنانية لم تعد أزمة أفكار، أو نقصا في القدرات الإنتاجية، بل أزمة انقطاع في حلقة التمويل وانعدام ثقة. فالنظام المصرفي، الذي شكّل لعقود العمود الفقري لتمويل الاقتصاد، فقد قدرته على أداء هذا الدور نتيجة الخسائر المتراكمة، وتجميد الودائع، وغياب رؤية واضحة لإعادة الهيكلة. ونتيجة لذلك، بات القطاع الخاص، وخصوصا المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، محروما الائتمان، ما أدى إلى انكماش الاستثمار، وتراجع فرص العمل، وتعميق الركود الاقتصادي.
في المقابل، ما زال لبنان يملك رصيدا مهما من المهارات البشرية والمعرفة التقنية والخبرات التراكمية في مجالات الصناعة الخفيفة، والخدمات، والتكنولوجيا، والاقتصاد الإبداعي. هذه القدرات تشكّل قاعدة صلبة لأي مسار تعافٍ اقتصادي، لكنها تبقى معطّلة ما لم تُستكمل بسياسة نقدية تبتعد عن منطق إدارة الأزمة الآنية، وتتجه نحو تحفيز النشاط الإنتاجي. وهنا تحديدا يمكن السياسة النقدية أن تؤدي دورا مختلفا، لا من خلال ضخّ سيولة عشوائية، بل عبر توجيه التمويل نحو القطاعات القادرة على إيجاد قيمة مضافة حقيقية.
في هذا السياق، يبرز مفهوم قنوات التمويل الموازية كأحد أبرز المسارات الممكنة. والمقصود هنا ليس استبدال النظام المصرفي القائم بكيان جديد، بل تجاوز اختناقه الموقّت عبر آليات تمويل تخضع لإشراف المصرف المركزي، لكنها لا تعتمد حصريا على البنوك التجارية التقليدية. يمكن مصرف لبنان، على سبيل المثال، أن يطوّر أطرا تنظيمية تسمح بإنشاء مؤسسات تمويل متخصصة، أو صناديق تمويل إنتاجي، أو منصات رقمية للتمويل، تعمل وفق قواعد واضحة للحوكمة والإفصاح، وتُموَّل جزئيًا أو كليا عبر أدوات مالية يصدرها المصرف المركزي نفسه. وتكون مهمة هذه القنوات توجيه السيولة مباشرة نحو مشاريع إنتاجية محددة، مثل الصناعة والزراعة المتقدمة والتكنولوجيا والخدمات القابلة للتصدير، بدل أن تبقى الأموال حبيسة الحسابات أو متجهة إلى نشاطات غير منتجة.
تكمن أهمية هذه المقاربة في أنها تفصل بين أزمة الثقة بالمصارف وأزمة تمويل الاقتصاد. فحتى في ظل استمرار فقدان الثقة بالقطاع المصرفي، يمكن رواد الأعمال والمؤسسات القائمة أن يحصلوا على التمويل عبر آليات بديلة تعتمد على تقييم جدوى المشاريع وتدفقاتها النقدية المستقبلية، لا على حجم الودائع أو الضمانات العقارية التقليدية. كذلك يمكن هذه القنوات أن تعتمد نماذج تمويل مبتكرة، مثل التمويل مقابل حصة من الإيرادات المستقبلية، أو القروض المرتبطة بالأداء، أو الشراكات الموقتة، ما يخفف المخاطر على المموِّل ويزيد فرص نجاح المشروع، ويشجّع في الوقت نفسه ثقافة ريادة الأعمال المنتجة.
إضافة إلى ذلك، يتيح إشراف المصرف المركزي على هذه القنوات ضمان حدٍّ أدنى من الانضباط النقدي والمالي. فبدل أن يضخ السيولة بشكل عام في السوق، يمكنه أن يوجّهها بدقة نحو مشاريع محددة، وأن يراقب أثرها في الإنتاج والتوظيف وتوليد العملات الأجنبية. هذا النوع من التدخل الذكي لا يعيد فقط تحريك عجلة الائتمان، بل يرسي علاقة جديدة بين السياسة النقدية والاقتصاد الحقيقي، بحيث يصبح التمويل أداة لدعم النمو والاستقرار، لا مجرد وسيلة لإدارة الأزمات أو تمويل الخسائر المتراكمة.
ومن زاوية أخرى، يمكن هذه المقاربة أن تساهم في معالجة أزمة سعر الصرف من خلال تعزيز عرض العملات الأجنبية بدل الاكتفاء بمحاولة كبح الطلب عليها. فعندما يُمنح التمويل للمؤسسات القادرة على التصدير أو على إحلال الواردات، يرتفع الإنتاج المحلي وتتحسن القدرة التنافسية، ما يؤدي تدريجا إلى زيادة تدفقات النقد الأجنبي إلى الاقتصاد. ومع توسّع قاعدة الإنتاج، يتراجع الاعتماد على الاستيراد المموّل بالدولار النقدي، وتنخفض حدة المضاربات، ما ينعكس استقرارا نسبيا في سعر الصرف.
ولا يقلّ أهمية عن ذلك دور السياسة النقدية في تسهيل الوصول إلى التمويل لرواد الأعمال والشركات الناشئة. فلبنان يشهد، رغم عمق الأزمة، دينامية ملحوظة في مجالات التكنولوجيا والخدمات الرقمية والعمل عن بُعد، حيث يعتمد العديد من المشاريع على رأس مال بشري عالي الكفاءة أكثر مما يعتمد على استثمارات مادية ضخمة. غير أن غياب التمويل المنظم يحرم هذه المبادرات فرص التوسع والنمو. وهنا يمكن السياسة النقدية المبتكرة أن تؤدي دور الجسر بين هذه الطاقات الكامنة والموارد المالية، عبر أدوات ضمان وتشارك في المخاطر تشجع توجيه الموارد نحو القطاعات الواعدة.
يبقى نجاح هذا المسار مشروطا بالحوكمة والشفافية. فالتجارب السابقة أظهرت أن ضخ الأموال من دون آليات رقابة واضحة يؤدي إلى تشوّهات خطرة ويقوّض ما تبقى من ثقة. لذلك، لا بد أن ترافق أيّ خطوة نقدية جديدة معايير صارمة لتقييم المشاريع، وآليات متابعة تضمن استخدام التمويل في الأغراض المحددة، إضافة إلى شفافية في نشر النتائج. فالثقة لا تُستعاد بالخطابات، بل بأفعال قابلة للقياس والمساءلة.
في المحصلة، لا يمكن السياسة النقدية وحدها أن تحل الأزمة اللبنانية، ولا أن تعوّض الإصلاحات البنيوية المطلوبة في المالية العامة والحوكمة والمؤسسات. لكنها تملك، إذا ما أُحسن استخدامها، القدرة على كسر حلقة الجمود الحالية، ودعم القطاع الخاص في لحظة هو بأمسّ الحاجة فيها إلى التمويل والاستقرار. سياسة نقدية مبتكرة، موجّهة نحو الإنتاج، قائمة على الفصل بين تمويل الاقتصاد وتمويل الخسائر، يمكن أن تشكّل رافعة أساسية لاستقرار سعر الصرف، ولإعادة فتح قنوات الائتمان أمام المؤسسات والمبادرين، وإطلاق مسار تعافٍ تدريجي يستند إلى ما يملكه لبنان فعليا من مهارات ومعرفة وقدرة على الصمود.
بهذا المعنى، فإن السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كان التدخل النقدي ممكنا، بل كيف يمكن هذا التدخل أن يتحول من إدارة أزمة إلى استثمار في المستقبل، حيث يصبح القطاع الخاص محرّك النمو الحقيقي، لا ضحية انهيار لم يكن شريكا في صناعته؟
(*) رئيس قسم الاقتصاد في الجامعة اللبنانية الأميركية
نبض