لبنان بين هروب المستثمرين والمساعدات المشروطة: الأمل في الإدارة الفعالة للموارد الوطنية

منبر 20-02-2026 | 09:25

لبنان بين هروب المستثمرين والمساعدات المشروطة: الأمل في الإدارة الفعالة للموارد الوطنية

أدت هذه الأزمة إلى تعقيدات كبيرة على مستوى الحاضر والمستقبل نتيجة تفاعل معقد بين العوامل الداخلية والخارجية، ولا سيما الإقليمية. 
لبنان بين هروب المستثمرين والمساعدات المشروطة: الأمل في الإدارة الفعالة للموارد الوطنية
مواطنون لبنانيون متجمهرون خارج وزارة المالية اللبنانية. (أ ف ب)
Smaller Bigger

حسن أيوب*

يواجه لبنان أزمة متعددة الأبعاد (اقتصادية، سياسية، اجتماعية ومؤسساتية) لا مثيل لها في تاريخه المعاصر. وقد وصف البنك الدولي (2021) الأزمة الاقتصادية بأنها واحدة من أسوأ ثلاث أزمات اقتصادية في العالم منذ منتصف القرن العشرين، من حيث الانكماش الحاد للناتج المحلي الإجمالي وتدهور القدرة الشرائية، متجاوزة العديد من الأزمات الاقتصادية العالمية السابقة، مثل أزمة تشيلي عام 1926، وأزمة إسبانيا عام 1931، والأزمة الأرجنتينية الكبرى بين 1998 و2002. 

أدت هذه الأزمة إلى تعقيدات كبيرة على مستوى الحاضر والمستقبل نتيجة تفاعل معقد بين العوامل الداخلية والخارجية، ولا سيما الإقليمية. 

تشمل هذه العوامل المخاطر الجيوسياسية، المشكلات الاقتصادية، التفاوت بين المحافظات والطبقات الاجتماعية، ضعف السيادة، سوء الحوكمة، وتجذر الفساد في الثقافة اللبنانية. تشير الدراسات الاقتصادية وتجارب الدول الأخرى إلى أن المخاطر الجيوسياسية والسياسية تقلل من جاذبية لبنان وقدرته على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، التي يمكن أن تلعب دوراً حيوياً في تنشيط الاقتصاد وسوق العمل، وما أحوج لبنان وشعبه إلى ذلك. 

أظهرت أبحاث حديثة أن ارتفاع المخاطر الجيوسياسية يثبط تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، ويؤثر سلباً على الاقتصادات ذات المؤسسات الأضعف (Yu & Wang, 2023). إلى ذلك، يعاني لبنان من ضعف الانتماء لدى جزء من المواطنين، سواء أكانوا من المقيمين أم المغتربين، ما ينعكس على الالتزام بالقوانين واحترام المؤسسات، ويساهم في ترسيخ الفساد وتعقيد جهود الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي. في هذا الشأن، يشير الدكتور السيد حسين (2013) في كتابه بعنوان "المواطنة: أسسها وأبعادها" إلى أن غياب مفهوم المواطنة المتكامل يعيق الوحدة المجتمعية والمشاركة الفاعلة في بناء الدولة. 

مؤخراً، دخلت التغيرات المناخية والتكنولوجية والديمغرافية كعوامل ضغط إضافية، مع تفاقم مشكلات الشيخوخة وهجرة الشباب، ما زاد من تعقيد الأزمة، ما يوضح بأن لبنان يعيش بين هروب المستثمرين الأجانب بسبب عدم الاستقرار، وعودة المساعدات الدولية المحدودة والمشروطة، التي تلزم الدولة بتنفيذ إصلاحات معينة قبل منحها. ويعكس تحليل تطورات صافي الاستثمار الأجنبي المباشر والمساعدات الدولية هذا الواقع المعقد، وفق البيانات الصادرة عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) حول الاستثمار، وبيانات البنك الدولي (World Bank) المتعلقة بالمساعدات الخارجية الرسمية. فقد شهد لبنان منذ عام 2011 تراجعاً حاداً في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر نتيجة الانهيار الاقتصادي والسياسي وهشاشة الوضع الأمني الناتج عن الحرب السورية، حيث بلغ متوسط الاستثمار الأجنبي المباشر نسبة 5 إلى 6% من الناتج المحلي الإجمالي بين 2013 و2018. 

بعد الأزمة الاقتصادية في 2019، تراجع جذب لبنان للاستثمارات الأجنبية المباشرة بشكل أكبر، إلا أن النسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي ظلّت متقاربة مع الفترة السابقة، بسبب الانخفاض الحادّ للناتج المحلي نفسه، ما يعكس سرعة تقلّص الاقتصاد مقارنة بتدفقات الاستثمارات. 

أما على صعيد المساعدات الدولية، فقد بلغت ما بين 4 و5% من الناتج المحلي الإجمالي في الفترة ما بين 2013–2018، وارتفعت إلى نحو 7% بين 2019 و2023، ثم تراجعت منذ 2024 إلى حدود 5–6%. ما يميز الوضع اللبناني هو ربط المساعدات الدولية بمتطلبات سيادة الدولة على كامل أراضيها، إضافة إلى الشروط المتعلقة بالإصلاحات الاقتصادية والمؤسساتية، التي تفرضها الجهات المانحة على الدول المديونة. 

هذه الشروط تمثل عامل ضغط جديد يساهم في زعزعة الاستقرار الداخلي الهشّ، الذي يشكّل أحد مقومات القوة، التي يجب أن يتمتع بها لبنان في ظل التطورات الإقليمية والدولية الحرجة.

يبقى الأمل معقوداً على موارد الدولة اللبنانية، وعلى كل اللبنانيين، سواء أكانوا من المقيمين أم المغتربين، في دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار الوطني. لكن إدارة هذه الموارد، سواء الطبيعية أم المالية، تتطلب كوادر مؤهلة وذات كفاية، ومؤمنة بالمعايير الأخلاقية والمهنية، إلى جانب نظام مالي ومصرفي قادر على تمويل التنمية الاقتصادية بكفاءة، ليس فقط في بيروت، بل في جميع المناطق اللبنانية. وقد لعب اللبنانيون المغتربون دوراً محورياً في دعم الاقتصاد عبر تحويلاتهم المالية، التي بلغت وفق إحصاءات البنك الدولي وصندوق النقد ما بين 7 و8 مليارات دولار سنوياً لسنوات عديدة، ما ساعد في الحفاظ على القدرة الشرائية للأسر، وفي دعم بعض القطاعات المحلية، رغم محدودية تأثيرها المباشر على النمو الإنتاجي. 

نظراً إلى أهمية هذه التحويلات واستمراريتها، أصبح من الضروري أن تعتبر الدولة اللبنانية المغتربين جسوراً حيوية للمعرفة والثقافة والحوكمة الرشيدة، وقوة دافعة لتعزيز سيادة الدولة واستقرارها الاقتصادي وجاذبيتها للاستثمارات والمساعدات الدولية. ومن هنا، يُصبح الاستثمار في ربطهم بالوطن وتشجيع مشاركتهم في التنمية استراتيجية لا تقل أهمية عن أي إصلاح مالي أو مؤسسي. 

باختصار، لبنان يعيش أزمة مركّبة بين هروب الاستثمار الأجنبي والمساعدات المشروطة، مع أمل نسبي في تحويلات المغتربين. إعادة بناء الدولة، تعزيز الحوكمة، محاربة الفساد، تثقيف المواطنين على الانتماء والمواطنة، والاستثمار في التغيرات المناخية والتكنولوجية، هي المفاتيح الأساسية للخروج من هذا المأزق.

 

 

 

* أستاذ في كلية العلوم الاقتصادية وإدارة الأعمال بالجامعة اللبنانية

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 2/20/2026 3:42:00 PM
تُظهر وثيقة الكونغرس، التي اطلعت عليها أسوشييتد برس أيضًا، أن إدارة ترامب تهدف إلى إبرام 20 صفقة تجارية نووية مع دول حول العالم، بما فيها السعودية
الخليج العربي 2/20/2026 7:38:00 AM
غراهام: إذا استُبدل نظام إيران بالشعب الإيراني، فسيؤدي ذلك إلى مستقبل مشرق لإيران ويفتح مساراً جديداً للتطبيع
الخليج العربي 2/20/2026 1:50:00 PM
تناول اللقاء مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية، وأهمية تكثيف العمل المشترك لدعم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط...
المشرق-العربي 2/20/2026 6:05:00 AM
التحرك العراقي يأتي في سياق متابعة معلومات وتقارير تشير إلى تجنيد عراقيين للقتال ضمن الجيش الروسي.