الحبيب بورقيبة وبناء الأمة: مقاربة فلسفية وفق فكر فيختيه

منبر 19-02-2026 | 09:21

الحبيب بورقيبة وبناء الأمة: مقاربة فلسفية وفق فكر فيختيه

تونس بعد الاستعمار الفرنسي لم تكن مجرد أرض بحاجة لإدارة سياسية، بل وعي شعبي مشتّت يحتاج إلى تشكيل وفهم نفسه كأمة. الانقسامات الاجتماعية التقليدية، والاختلافات الإقليمية والثقافية، شكّلت تحدياً كبيراً لأي قائد يسعى لبناء دولة حديثة. 
الحبيب بورقيبة وبناء الأمة: مقاربة فلسفية وفق فكر فيختيه
لا يزال بورقيبة حاضراً في ذاكرة التونسيين
Smaller Bigger

الاب ريمون أبي تامر

 

 

 

الدولة تبدأ من الوعي
تونس بعد الاستعمار الفرنسي لم تكن مجرد أرض بحاجة لإدارة سياسية، بل وعي شعبي مشتّت يحتاج إلى تشكيل وفهم نفسه كأمة. الانقسامات الاجتماعية التقليدية، والاختلافات الإقليمية والثقافية، شكّلت تحدياً كبيراً لأي قائد يسعى لبناء دولة حديثة. في هذا الظرف، ظهر الحبيب بورقيبة كقائد مدرك أن إعادة بناء الدولة يتطلب أكثر من قرارات سياسية، بل فلسفة عملية قادرة على توجيه الوعي الجماعي.
التميّز في قيادته كان في قدرته على دمج العقل النظري مع التطبيق العملي، بحيث يعكس كل قرار استراتيجية واعية لبناء الأمة من الداخل.

فيختيه: الأمة ليست مجرد حدود
يوهان غوتليب فيختيه، الفيلسوف الألماني، أكد أن الأمة ليست مجرد مساحة جغرافية أو نظام سياسي، بل وعي مشترك وهوية قابلة للتشكيل والتوجيه. فيختيه لا يقدّم نظرية سياسية بالمعنى المؤسسي الضيق، بل يؤسّس لفلسفة الأمة الحديثة بصفتها مشروعاً تربوياً وأخلاقياً قبل أن تكون كياناً قانونياً. فالأمة عنده تُصنع عبر الوعي، وتُحمى بالتربية، وتستمر حين تتحول الدولة إلى أداة في خدمة هذا الوعي لا بديلاً منه. من هنا، تصبح الدولة الحديثة امتداداً للوعي القومي، لا مجرد جهاز سلطوي.

يرى فيختيه أن الدولة الحقيقية تُبنى عبر ثلاثة أبعاد متكاملة:

1- التعليم: لبناء عقل واعٍ، قادر على التفكير النقدي واتخاذ القرارات الناضجة.


2- الثقافة: توحيد الرؤية والقيم بين أفراد المجتمع، وتعزيز شعور الانتماء الجماعي.


3-القوانين: ضمان العدالة، الاستمرارية، وتطبيق المبادئ الأخلاقية على صعيد الدولة والمجتمع.

من هذا المنطلق يصبح الشعب شريكاً حقيقياً في بناء الدولة، وليس مجرد متلقٍ للأوامر. الفكر الفلسفي هنا يتحول إلى أداة عملية لبناء الأمة وصون هويتها، ما يجعل الدولة أكثر قدرة على الصمود والاستمرار أمام التحديات.

بورقيبة بين الفكر والعمل
بورقيبة فهم درس فيختيه وطبّقه على أرض الواقع، فجمع بين الاستراتيجية السياسية والفلسفة العملية:

1-التعليم والوعي الوطني

اعتبر بورقيبة أن التعليم ليس مجرد وسيلة لنقل المعرفة، بل أداة لصقل العقل الوطني وتشكيل وعي الشعب بمسؤولياته.
أسّس مدارس وجامعات عامة، مع مناهج تهدف إلى تعزيز الهوية الوطنية وتعليم قيم المواطنة والعدالة.
كما ركّز على تنمية الفكر النقدي لدى الشباب، ليصبحوا قادرين على المشاركة الفعالة في الحياة السياسية والاجتماعية.
بهذا المعنى، تحوّل التعليم إلى أداة لتجسيد فلسفة فيختيه على الأرض: الشعب الواعي هو قوة الأمة.

2-القوانين المدنية كأساس للعدالة والبناء الاجتماعي
أقرّ بورقيبة تشريعات شاملة لضمان حقوق المواطنين والمساواة المدنية، واهتم بحقوق المرأة، واضعاً أسساً حديثةً للمساواة بين الجنسين.
هذه القوانين لم تكن مجرد تنظيم إداري فحسب، بل أداة فلسفية لتعزيز الهوية الوطنية الواعية وضمان تماسك المجتمع.
الدولة الحديثة، في هذا السياق، أصبحت أداةً أخلاقيةً وتربويةً في خدمة الوعي الجمعي، بحيث يعكس كل قانون قيم العدالة، المسؤولية، والانتماء الوطني، بما ينسجم مع تصور فيختيه للدولة.
 3- الهوية والوحدة الثقافية
ركّز بورقيبة على الرموز الوطنية والتعليم المدني لبناء شعور جماعي بالانتماء.
الاهتمام باللغة، والثقافة، والذاكرة الوطنية، ساهم في توحيد المجتمع حول هوية مشتركة، بعيداً من الانقسامات التقليدية.
هذا النهج يجسّد فلسفة فيختيه في بناء الأمة عبر وعي جماعي مشترك، قادر على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.


الفلسفة والسياسة: مزج القرارات مع الوعي
تجربة بورقيبة تثبت أن القيادة الفاعلة لا تقوم على الحزم السياسي فحسب، بل على رؤية فكرية عميقة.
القرارات الجريئة في مجالات التعليم، والقوانين، والهوية، كانت أدوات لبناء دولة قوية قادرة على مواجهة تحدياتها بوعي ومسؤولية.
السياسة هنا ليست مجرد إدارة آنية للأحداث، بل فن ترجمة المبادئ الفلسفية إلى واقع ملموس. 

الأمة كوعي متجدّد

تجربة الحبيب بورقيبة تكشف أن بناء الأمة ليس حدثاً سياسياً عابراً، بل مسارطويل من إعادة تشكيل الوعي الجماعي. بالاستفادة من فلسفة فيختيه، تعامل بورقيبة مع الدولة لا كغاية في ذاتها، بل كأداة تربوية وأخلاقية لصناعة مواطن واعٍ، قادر على حمل مشروع الدولة وضمان استمراريته.

تونس الحديثة لم تُبنَ بالقوانين والمؤسسات فحسب، بل بإرادة واعية لفصل الدولة عن الإرث التقليدي وربطها بمشروع وطني عقلاني. هنا يلتقي الفكر الفلسفي الفعل السياسي، ويتحوّل الوعي من مفهوم نظري إلى قوة تاريخية فاعلة.

الدرس الأعمق الذي تقدّمه هذه التجربة هو أن الأمة لا تُورَّث ولا تُفرض، بل تُصنع. تُصنع حين يجرؤ القائد على تحويل الفلسفة إلى سياسة، والوعي إلى مؤسسة، والدولة الى تعبير حيّ عن إرادة جماعية متجددة.

                         
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 2/20/2026 3:42:00 PM
تُظهر وثيقة الكونغرس، التي اطلعت عليها أسوشييتد برس أيضًا، أن إدارة ترامب تهدف إلى إبرام 20 صفقة تجارية نووية مع دول حول العالم، بما فيها السعودية
الخليج العربي 2/20/2026 7:38:00 AM
غراهام: إذا استُبدل نظام إيران بالشعب الإيراني، فسيؤدي ذلك إلى مستقبل مشرق لإيران ويفتح مساراً جديداً للتطبيع
الخليج العربي 2/20/2026 1:50:00 PM
تناول اللقاء مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية، وأهمية تكثيف العمل المشترك لدعم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط...
المشرق-العربي 2/20/2026 6:05:00 AM
التحرك العراقي يأتي في سياق متابعة معلومات وتقارير تشير إلى تجنيد عراقيين للقتال ضمن الجيش الروسي.