مدرسة أم مصنع لإنتاج نسخ متشابهة؟

منبر 18-02-2026 | 11:54

مدرسة أم مصنع لإنتاج نسخ متشابهة؟

تبدأ الحياة التعليمية للولد في عمر الثلاث أو الأربع سنوات، فيدخل المدرسة ويبدأ حياته الدراسية، ويرضخ لكل القواعد التنظيمية، ويبدأ في التأقلم مع جوّ حياة مختلف تمامًا عمّا تعوّد عليه في أحضان أمه وحرية منزله. فهو انتقل من بين أحضان أمه وحرية بيته إلى نظام تعليمي ومكان مليء بالمسؤولية والمحاسبة
مدرسة أم مصنع لإنتاج نسخ متشابهة؟
تعبيرية (انترنت)
Smaller Bigger

ماريبال كفوري

 

 

تبدأ الحياة التعليمية للولد في عمر الثلاث أو الأربع سنوات، فيدخل المدرسة ويبدأ حياته الدراسية، ويرضخ لكل القواعد التنظيمية، ويبدأ في التأقلم مع جوّ حياة مختلف تمامًا عمّا تعوّد عليه في أحضان أمه وحرية منزله. فهو انتقل من بين أحضان أمه وحرية بيته إلى نظام تعليمي ومكان مليء بالمسؤولية والمحاسبة؛ مكان لا يعلم عنه شيئًا سوى أنه مجبر على تنفيذ الأوامر والفروض، والاندماج مع زملائه في الصف، والخضوع لنظام تعليمي، والتقيّد بأوقات محددة ودروس معينة، أحبّها أم لم يحبّها، أبرع بها أم لم يبرع. فهي فُرضت عليه منذ دخوله حتى بلوغه السابعة عشرة من عمره، أي العمر الذي سيتخرج فيه وينتقل إلى المرحلة الثانية من الحياة، أي الجامعة، حيث يمكنه اختيار اختصاصه وإيجاد نفسه أخيرًا في المكان الذي يطمح إليه، وتوظيف مهاراته في المكان الصحيح.

ولكن قبل كل هذه الفترة، هل فكّرنا يومًا بالنظام المدرسي الذي يسرق من حياة كل فرد منا سبعة عشر عامًا؟ هذه المرحلة التعليمية تشكّل ركيزة أساسية للنمو الذهني والثقافي، وتلقينه الأسس الأولية لنجاحه في المستقبل. ولكن ماذا عن مهاراته وأسلوب تفكيره؟ ماذا عن مواهبه وحريته الفكرية وفردية شخصيته التي تُدمَّر في كل لحظة يُمنع فيها من إبداء آرائه أو تطوير مواهبه، بدلًا من حفظ واستظهار مئة سطر؟ ماذا عن خياله أو ذكائه العاطفي الذي تحدّه كل يوم علامة امتحان الرياضيات الذي قد يرسب فيه كل شهر، فيُحاسَب ويُعاقَب من قِبل أهله بسبب مادة لا تناسبه أو لا يبرع بها؟ هل نظرنا إلى الجانب الإيجابي والمهارات التي يتمتع بها الطفل، أم قيّدناه بثلاث أو أربع مواد تعليمية في المرحلة الابتدائية؟

ماذا عن أفكاره الغريبة الخارجة عن المألوف، أو مهاراته الموسيقية أو الفنية؟ هل سمح لنا هذا المنهج بتطويرها أو حتى اكتشافها وإبراز أنفسنا وكفاءاتنا لتوظيفها في المكان الصحيح مستقبلًا، أم أنها أصلًا غير مندرجة في قائمة المواد التعليمية؟ فالنظام التعليمي في سنة 2026 ما زال يشبه نظام سنة 1970: المواد ذاتها، لغات ورياضيات، رغم أن هذا الجيل وعصرنا تطوّر وتغيّر. فالمهن اليوم لم تعد تقتصر على مهندس أو طبيب أو محامٍ، كما رسّخ فينا مجتمعنا وفرض علينا التخلي عن كل قدراتنا المختلفة عن هذه المعايير وأفكارنا الاستثنائية التي تميزنا عن بعضنا البعض.

فرغم دخول الذكاء الاصطناعي والفنون والمهن الإبداعية، ما زال النظام التعليمي المدرسي محصورًا ببعض المواد التي تشبه السجن للتلميذ، فننسى ولا نبالي بكل ما يملك من مهارات فريدة، ونحاسبه فقط على ما لم يفعله أو على امتحانات تاريخ ما زال يحفظها ويدرسها حتى الآن، بدلًا من تعديلها وتجديد مضمونها. العالم كله تطوّر وتبدّل، إلا النظام المدرسي التقليدي. لماذا لا نُدخل مواد جديدة كمادة الذكاء الاصطناعي؟ لماذا لا نضاعف أو ندرج ساعات للفن والموسيقى والإبداع ضمن يوم التلميذ؟ ولماذا لا نُدخل مادة علم النفس منذ الصغر، فيكبر الطفل منفتحًا على اكتشاف ذاته وهويته، بدلًا من محاسبته إذا تأخر خمس دقائق عن الاستراحة التي كان يفرّغ طاقته فيها؟

نعم، العلم بأسره تبدّل، ولكن ما زلنا نُعلّم أطفالنا ونُخرجهم وكأنهم في مصنع. نتجاهل نقاط قوة كل تلميذ، وندجنه في بضعة مواد، وكأننا نصنع أربعين تلميذًا في الصف على ذات المعايير والدروس، فتتخرج دفعة كاملة متشابهة؛ أربعون تلميذًا نسخة طبق الأصل، وكأنهم منتجات صناعية مكوّنة من المواد نفسها، يُحاسبون على الأخطاء ذاتها.

لا شك أن النظام التربوي أساسي لتكييف التلميذ وتعليمه النظام والمسؤولية والانضباط، ولكن هذا النظام كان مناسبًا لجيل سابق. فكل عصر يحمل معه تحديثات وتغييرات جديدة، ولا يمكننا تطبيق مواد وأنظمة منذ مئة عام دون تطويرها على جيل Gen Z وجيل Alpha، في زمن أصبحت فيه الروبوتات تشارك في عمليات جراحية وطبية، وتخدم الإنسان في حياته المهنية واليومية.

لماذا لا نتقبل أن للذكاء أنواعًا متعددة؟ ماذا عن الذكاء العاطفي، وذكاء الابتكار، وذكاء الاختراع، والقدرة الخيالية والبصرية، والذكاء الاجتماعي؟ لماذا نعلّم أولادنا على التشابه، وكأنهم مبرمجون ليكونوا جميعًا على المسطرة نفسها، بدلًا من تنمية كل تلميذ بحسب مهاراته التي تميّزه عن غيره، فيكبر وهو واعٍ لنقاط قوته، فيختار المهنة التي يبرع بها، لا المهنة التي يعتاش منها فقط؟

وأخيرًا، نتساءل: لماذا نتأثر بالغرب ولا نبتكر؟ لماذا نكون دائمًا نسخة عنهم ولا نخلق المحتوى؟ أليس لأننا نشأنا على هذه العقلية؟ أليس لأننا خفنا من قول ما يدور في أذهاننا لأنه ربما لا يتناسب مع آراء الأكثرية، أو لا يتشابه مع ما يقوله الآخرون، أو خوفًا من ردة فعل المعلمة وتعليقها؟

إذا أردنا التميز، يجب أن نفعل شيئًا مميزًا. وإذا أردنا التطور وأن نصبح شعبًا مبدعًا يبتكر ولا ينسخ، فيجب أن نكون شعبًا خلّاقًا وجريئًا، يركّز على تنشئة أطفال وجيل يحافظ على هذه الصفات. لأن الطفولة هي الركيزة الأساسية لمستقبل كل دولة وكل إنسان. فكل رجل أعمال ومهندس قبل أن يكبر ويصبح كذلك، كان طفلًا يجلس على مقاعد الدراسة.

علينا أن نستوعب أن المجتمع القادم يُصنع في مقاعد الدراسة، لا في البيت وحده ولا في المراحل العمرية المتقدمة. فلنتوقف عن هدر قدرات أجيال تتفوق في ذكائها وقدراتها على حدود اللغات والرياضيات فقط، ولنبدأ بالتعليم الذكي (Smart Education) بدلًا من إنتاج نسخ متشابهة ومبرمجة، وبالتالي موظفين مبرمجين على منطق: نفّذ، انسخ، اندمج، ولا تفكر أو تبتكر.

كفى تدجينًا، كفى قطع أجنحة طيور الفينيق فقط لكي تندمج بأسلوب حياة الطيور البرية والببغاوات…

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

تشغل أنظمة رادار متطورة بتقنية (LPI)، التي تسمح لها بمسح ورصد الأهداف في عمق الأراضي المعادية دون أن تكتشف hgرادارات وجودها أو تردداتها.
لبنان 2/23/2026 11:54:00 PM
لا عاصفة قطبية هذا الأسبوع… منخفض بارد وأمطار وثلوج على الجبال
لبنان 2/24/2026 12:55:00 AM
انتشار واسع لعناصر يُعرفون بـ"الأوزبك" في مدينة القصير بريف حمص، ولا سيما في المناطق المتاخمة للحدود اللبنانية
لبنان 2/24/2026 1:04:00 PM
وزير خارجية لبنان: إسرائيل قد تضرب بنية تحتية استراتيجية ونعمل لمنع ذلك