تجنُّب فخّ النموذج الاستخراجي لمَ يجب أن تكون العدالة في صميم التحوّل الطاقوي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟

منبر 18-02-2026 | 10:11

تجنُّب فخّ النموذج الاستخراجي لمَ يجب أن تكون العدالة في صميم التحوّل الطاقوي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟

تتسارع وتيرة انتشار الألواح الشمسية وتوربينات الرياح في مختلف أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بوتيرة غير مسبوقة.
تجنُّب فخّ النموذج الاستخراجي لمَ يجب أن تكون العدالة في صميم التحوّل الطاقوي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟
إنّ القاعدة الأساسية لأيّ دولة نفطية في العالم تقوم على إنشاء بنية تحتية داعمة لقطاع النفط والغاز على أراضيه
Smaller Bigger

 ديانا القيسي -  منسّقة شبكة العدالة في إدارة الموارد في لبنان
الدكتور بيار سعادة، مدير منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومسؤول التنسيق المعني بمكافحة الفساد في شبكة العدالة في إدارة الموارد في لبنان


 

تتسارع وتيرة انتشار الألواح الشمسية وتوربينات الرياح في مختلف أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بوتيرة غير مسبوقة. فبحسب تقرير آفاق الطاقة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 2026، ارتفعت القدرات المتجددة في المنطقة بنسبة 44  في المئة  خلال العام الماضي وحده.  للوهلة الأولى، يبدو المشهد واعداً: منطقة ارتبط اسمها تاريخياً  بالوقود الأحفوري تستجيب اليوم في مسار الحدّ من الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية، وتسعى إلى تقليص اعتمادها على الهيدروكربونات التي كانت السبب بتفاقم أزمة المناخ.

لكن هذا التحوّل يتقدم في سياق يفتقر إلى العدالة والإنصاف. فالمنطقة  تعد من بين الأكثر تفاوتًا في العالم، حيث تُظهر البيانات الأخيرة أنّ أغنى 10 في المئة من السكان يستحوذون على نحو 58 في المئة من إجمالي الدخل الوطني، وفقًا لقاعدة بيانات اللامساواة العالمية.
 رغم الصورة الإيجابية التي تقدّم عن المشاريع الكبرى بوصفها "خضراء"، يبقى الخطر قائماً  في أن تعيد النخب نفسها، التي سيطرت على ثروات الوقود الأحفوري تقزيم نفسها بشكل جديد، بهدف الحفاظ على النفوذ ذاته والتحكم بثروات المنطقة.
 يؤكد علم المناخ أنه لا مجال للمماطلة: فالانتقال التدريجي والسريع بعيداً عن الوقود الأحفوري بات ضرورة حتمية للحدّ من الاحترار وحماية حياة الناس. وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث ترتفع درجات الحرارة بمعدلات تفوق المتوسط العالمي بمرتَين، لم يعد الأمر خياراً بيئياً فحسب، بل مسألة تمسّ القدرة الأساسية على العيش. على مدى عقود، لم يكن النفط والغاز مجرد مصادر للطاقة، بل استخدماً لتعزيز النفوذ السياسي وترسيخ الفساد. فإن استبدال منصّات النفط بمشاريع طاقة شمسية لن يعالج الخلل البنيوي القائم، ما لم يتغير الأسلوب نفسه في إدارة الموارد، ويوضع الإنسان والعدالة في صلب عملية التحوّل.
عندما يُستخدم الخطاب "الأخضر" كوسيلة للالتفاف على المساءلة، بدأت تظهر مؤشرات مقلقة على توظيف الخطاب البيئي لتبرير ممارسات تفتقر إلى الشفافية والمحاسبة. في المغرب، ورغم الإشادة الواسعة بمحطة نور ورزازات للطاقة الشمسية بوصفها قصة نجاح عالمية، فقد واجه المشروع انتقادات اتهمته بممارسة "الاستيلاء الأخضر"، حيث تمّ الاستحواذ على أراضٍ تاريخية، عبر إجراءات غير شفافة، شاركت فيها النخب الحاكمة، ما أدّى عمليًا إلى تحميل المجتمعات المحلّية كلفة هذا المشروع، مقابل خصخصة مكاسبه لصالح مستثمرين نافذين سياسيًا.
وبالمثل، أثار التهافت على إنتاج "الهيدروجين الأخضر" في تونس بغرض تصديره إلى أوروبا مخاوف من نشوء شكل جديد من "الاستعمار الأخضر"، يقوم على استنزاف الموارد المائية المحدودة في ظل غياب رقابة عامة حقيقية. وقد ظهرت هذه التوترات مؤخرًا في قابس، حيث خرج السكان إلى الشوارع للاحتجاج على مشروع تجريبي للهيدروجين الأخضر، خشية أن يأتي "التحول النظيف" لأوروبا على حساب زيادة الضغط المائي وتفاقم التصحر في واحات المنطقة. ويعكس ذلك فجوة واضحة بين السياسات التي تُصاغ في العواصم الأوروبية والآثار الفعلية التي تترتب عنها على أرض الواقع في شمال أفريقيا. وفي غياب الشفافية الكاملة، لا يمكن اعتبار هذه المسارات حلولًا مناخية حقيقية، بل هي أشكال من "الريع الأخضر" تُستخدم لإعادة إنتاج أنماط السيطرة نفسها التي كرّسها زمن النفط سابقًا، ما يؤدي إلى استمرار أوجه اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية، ويحرم  الناس من حقهم في المشاركة في اتخاذ القرارات بشأن أراضيهم ومواردهم.
الركائز الأربع للتحوّل العادل
لا يقتصر التحوّل الطاقوي المستدام على استبدال منشآت النفط بمصادر طاقة متجددة، بل يتطلّب معالجة البُنى التي سمحت أصلًا بتركيز النفوذ وتفشي الفساد. كما لا  يمكن حصر هذا النقاش بالخبراء الفنيين وحدهم، بل يجب أن يشمل المجتمع المدني، والنقابات العمالية، والمجتمعات المحلّية. وفي هذا السياق، يقوم التحول العادل على أربع ركائز أساسية:
1)مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية:  لا بدّ من فرض نشر العقود، والكشف عن المالكين المنتفعين، وحماية الفضاء المدني الضروري لإجراء رقابة وتدقيق مستقلين...
2)مشاركة وموافقة المجتمعات المحلّية: من خلال مشاورات فعلية تمنح المجتمعات الأكثر تأثراً دوراً حقيقياً في صناعة القرار، مع احترام مبدأ الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة (FPIC)، ولا سيما بالنسبة إلى الشعوب الأصلية.
3)الطاقات المتجددة المتمحورة حول الإنسان: يجب المطالبة بمشاريع لامركزية قائمة على الملكية المحلّية المشتركة، بما يحسن  الوصول إلى الطاقة، ويخلق فرص عمل، ويعزز قدرات المجتمعات المحلية.
4)ضمان  العمل اللائق والانتقال العادل للعمّال: يحتاج العاملون في قطاع الطاقة إلى برامج شاملة لتعزيز مهاراتهم، مع اعتماد سياسات موجَّهة، تضمن تدريب النساء على وجه الخصوص وإدماجهن بشكل فعّال في قطاع الطاقة المتجددة.
إعادة تأطير المستقبل
يشكّل التحوّل الطاقوي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحديًا سياسيًا واقتصاديًا بقدر ما هو تحدٍّ بيئي. فالنجاح الحقيقي لا يقاس بعدد  محطات الطاقة الشمسية، بل بالقدرة على خفض انبعاثات الكربون من دون تقويض إيرادات الدولة وسبل العيش. وإذا أسيئت إدارة هذا المسار، فقد يتحوّل إلى عبء إضافي على العقد الاجتماعي القائم. أما استعادة الثقة العامة، فترتبط بضمان مشاركة فعلية، وإرساء نظم حماية اجتماعية فعّالة، ووضع آليات تعويض موثوقة للمجتمعات التي ارتبطت تاريخيًا باقتصادات الوقود الأحفوري.
وتواجه الحكومات والجهات المانحة ومؤسسات التمويل الإنمائي خيارين حاسمين: إمّا دعم انتقال سريع يغض الطرف عن العدالة، أو ربط التمويل بالشفافية والمساءلة والمشاركة. ومع انعقاد المنتدى العربي للتنمية المستدامة في الأردن خلال أيار/مايو المقبل، تبرز فرصة حقيقية للدفع نحو مسار أكثر توازناً.
وكما تشرق الشمس على الجميع في الشرق الأوسط من دون تمييز، حان الوقت لأن تُقاسم ثمار التحول الطاقوي وسلطته بشكل عادل على الجميع، من دون إقصاء أو تمييز... 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 2/22/2026 1:30:00 PM
 قادة الإطار باتوا يتعاملون مع الملف بمنطق تجنب التصعيد الخارجي وحماية الاستقرار السياسي
الخليج العربي 2/20/2026 7:38:00 AM
غراهام: إذا استُبدل نظام إيران بالشعب الإيراني، فسيؤدي ذلك إلى مستقبل مشرق لإيران ويفتح مساراً جديداً للتطبيع
الخليج العربي 2/22/2026 12:08:00 PM
تُجسِّد هذه المناسبة الوطنية عمق الجذور التاريخية للدولة السعودية
المشرق-العربي 2/22/2026 6:40:00 AM
أكّدت الدول الرفض القاطع لمثل هذه التصريحات الخطيرة والاستفزازية، التي تمثل انتهاكًا صارخًا لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.