كنتُ أخاف الوحدة… واليوم أشتاق إليها
فرانسيسكا موسى
كنتُ أخشاها كما يُخشى السقوط من علوٍّ لا قرار له،
كأنها بئرٌ قديمٌ في منتصف الروح،
أنظر إليه فأرى وجهي مشوّهًا في قاعه،
وأرتدّ مذعورةً إلى ضوءٍ لا يدفئني.
كنتُ أهرب من الوحدة
كما يهرب المرء من اعترافٍ متأخر،
أختبئ في الضجيج،
في الأحاديث العابرة،
في وجوهٍ لا تحفظ ملامحي إلا حين أكون مبتسمة.
كنتُ أظنّ أن القربَ خلاص،
وأن كثرة الأيدي حولي
تعني أنني لن أسقط.

لكنني سقطت.
سقطتُ وأنا بينهم.
سقطتُ وأنا أضحك.
سقطتُ وأنا أقول: "لا بأس".
واكتشفتُ أن أقسى أنواع الوحدة
أن تشعر أنك غير مرئي،
أن تكون حاضرًا بكل ثقلك
ولا يراك أحد.
أن تمتلئ بالكلمات
ولا تجد صدرًا يتّسع لها.
كنتُ أخاف أن أجلس وحدي،
لأنني كنتُ أعرف، في سرّي،
أن الكرسيّ المقابل لي
لن يبقى فارغًا…
بل ستمتلئ عليه كلُّ نسخي القديمة.
صوت الخيبات وهي تتكسّر في داخلي،
صوت الأسئلة التي بلا إجابة،
صوت قلبي وهو يهمس:
لماذا تُهملينني كلّ هذا الوقت؟
الوحدة ليست فراغًا،
بل مرآةٌ تكشف وجهي بلا أقنعة،
تضعني أمام نفسي… صادقةً وعارية.
في الوحدة
لا أستطيع أن أكون بطلة.
لا أستطيع أن أرتّب مشاعري كخطابٍ رسمي.
فيها أكون هشّة،
متعبة،
وأحيانًا… منكسرة.
لكنّني فيها أيضًا
أكون صادقة.
اكتشفتُ أنني لم أكن أخاف الوحدة،
كنتُ أخاف أن أعترف
بأنني تعبتُ من الركض.
تعبتُ من محاولة أن أبدو بخير،
من إخفاء حزني في جيوب ضحكاتي،
من حمل قلبي كأنه شيءٌ يجب أن لا يُرى.
اليوم،
أشتهي الوحدة كما يُشتهى المطر بعد جفافٍ طويل.
أشتهيها لأنني حين أكون وحدي
لا أحتاج أن أشرح نفسي.
لا أحتاج أن أبرّر دموعي.
لا أحتاج أن أبتسم كي أُطمئن أحدًا.
في الوحدة
أسمع نبضي بوضوح،
وألمس ندباتي دون خوف،
وأعترف أنني لستُ قويةً دائمًا،
ولستُ بخير دائمًا،
ولستُ مضطرةً لأن أكون كذلك.
كنتُ أخشى الوحدة
لأنها كانت تعرّيني من كلّ ما ليس أنا،
واليوم أتمناها
لأنني سئمتُ كلّ ما ليس أنا.
الوحدة لم تعد ظلامًا،
بل أصبحت ليلًا أعرفه،
أمشي فيه ببطء،
وأتلمّس طريقي بين جراحي
كأنني أتعلم نفسي من جديد.
كنتُ أخشى الوحدة…
لكنّها اليوم أكثرُ ما أتمناه،
لأنها المكان الوحيد
الذي لا يُطالبني بشيء،
ولا ينتظر مني أن أكون كاملة،
ولا يتركني حين أثقل.
في الوحدة
لا أحد يخذلني،
لأنني أخيرًا
لم أعد أُخذل نفسي.
نبض