قراراتكم نواة أزمات لا قواعد حلول!
البروفسور مارون خاطر
كاتب وباحث في الشؤون المالية والاقتصادية
إذا كانت القاعدة الإثني عشرية خطيئة، فالعشوائية التي تطبع قرارات الحكومة في المواضيع الاقتصادية والمالية والمعيشية خطيئة مميتة. لم تعد المسألة اختلافا في المقاربات، بل صارت خللا في المنهج. لقد تحولت العجلة إلى مرادف يميز قرارات هذه الحكومة، من إصلاح المصارف إلى مقاربة الفجوة المالية، وصولا إلى زيادة الرواتب ورفع أسعار المحروقات. حولت القرارات الأخيرة للحكومة موازنة 2026 من موازنة ضريبية إلى موازنة ضريبية بامتياز. فبدل أن يوزع العبء بعدالة، عاد ليرتكز على الفئات الملتزمة التي لا تملك لا نية ولا ترف التهرب ولا حماية النفوذ. أما منابع الإيرادات الحقيقية، فبقيت بعيدة من أي معالجة جدية وسيبقى أصحابها خارج دائرة الاستهداف.
هل درست الحكومة تبعات قراراتها على التضخم، وعلى ارتفاع الأسعار، وعلى استقرار سعر الصرف؟ وهل تعمقت في تداعيات زيادة سعر البنزين على أسعار الخدمات والسلع في غياب الرقابة وتداعيات زيادة الضريبة على القيمة المضافة على الاقتصاد؟
من حق الرأي العام أن يطلع على الدراسة المالية-الاقتصادية التي ارتكزت عليها هذه القرارات، لجهة حجم الزيادات والإيرادات، ولا سيما رقم الأشهر الستة، أو أنه رقم فضائي، كما كانت أرقام أخرى في مقاربات سابقة؟ في إطار متصل، يهمنا أن نفهم أيضا على أي أساس اقتصادي علمي يقال إن زيادة الضريبة على القيمة المضافة تصيب الأغنياء حصرا، وما المرجعية العلمية التي يستند إليها هذا الرأي؟
نعم، الزيادات حق لمن يستحقها، وليست حقا للجميع، والمساواة في تمويلها حق للممولين. ولكن أين هذه الحقوق في ما اتخذ من قرارات؟ كيف تتخذ قرارات بزيادة الرواتب في بلد اقتصاده راكد ويقاسي، وقطاعه العام يعاني قصورا في الإنتاجية وغيابا في إعادة الهيكلة؟ لماذا لم توضع خطة واضحة لإعادة هيكلة القطاع العام مع جدول زمني محدد؟ خطة فقط! كيف يقبل أن تصرف أموال إضافية على قطاع متخم قبل إصلاحه؟ كيف تضخ الأموال في نظام لم تحسم فيه بعد مسألة المحاسبة والمساءلة؟ كيف تصرف أموال الدولة لمكافأة الفاسدين والمرتشين في القطاع العام على حساب موظفيه الشرفاء؟ ماذا يبقى لهؤلاء الشرفاء مما أنعمت عليهم حكومتهم من جيوبهم وجيوبنا؟ لا شيء! فالتضخم سيأكل الزيادات، وارتفاع الأسعار سيبتلع الأرقام، والنتيجة واحدة. بهذه القرارات وضعت الدولة القطاع العام في مواجهة الرأي العام، وكأن المشكلة في الرواتب لا في البنية.
عجز الموازنة "الصفري" الافتراضي والمزعوم، يبكي في الزاوية منذ إقرارها، واليوم تحول بكاؤه عويلا... ما جرى عمليا هو إقرار موازنة ملحقة مقنعة بعد مغادرة "الضيوف". هل الضيوف أغبياء، أو نحن سذج؟ عدنا إلى الصيغة اللبنانية "البلدية": نقر النفقات أولا، ثم نبحث لها عن إيرادات. هذا ليس إصلاحا ماليا، بل إعادة إنتاج للنهج الذي أوصل البلاد إلى الانهيار. لماذا لم يتم البحث عن الإيرادات في أماكن الهدر الحقيقي؟ لماذا لم تبحثوا عن الايرادات في جيوب المهربين والمتهربين والمستقوين وغاصبي الأملاك البحرية ومشغلي المعابر غير الشرعية وأمراء تبييض الأموال؟ لماذا استسهل الوصول إلى أموال المواطنين الصالحين؟ الجواب واضح: لأنهم الحلقة الأضعف والأسهل.
عاد القديم إلى قدمه، وعادت معه الشعبوية وضغوط اللحظة السياسية. ما قدم ليس حتى قاعدة حل، بل نواة أزمة ستفاقم الأزمات. لقد خاب أمل الكثيرين لأنهم كانوا ينتظرون مع ممارسات الماضي، لا إعادة تدويرها ثم اعتمادها.
بعد سلسلة الخيبات، يبقى الأمل في أن تتمكن الحكومة من أن تستعيد معنى الدولة، وتعمل على إتمام حصرية القرار السياسي والعسكري والمالي، وتعيد الاعتبار إلى منطق القانون والمؤسسات. ولكن إذا استمر هذا النهج القائم على التعنت والتسرع وتدوير الزوايا والرهان على الحلقة الأضعف، فلن نكون أمام أزمة عابرة، بل أمام مسار يتكرس.
السياسات لا تقاس بالنيات بل بالنتائج، والنتائج بدأت تظهر تباعا.
حين يستبدل الإصلاح بالتسرع، والجرأة بالمكابرة، تتحول الحلول إلى مشكلات والآمال الى أعباء والمستقبل الى ماض يتكرر حتى قبل أن ينتهي.
إن ما تقوم به الحكومة في الملفات الاقتصادية والمالية والنقدية لا يرقى حتى إلى مستوى إدارة أزمة، بل يبدو أقرب إلى إدارة مسار قد يقود إلى أزمات أكبر وأعمق.
نبض