لنا في الخيال عالمٌ آخر
ملاك وجيه شميطلي
شباط…
شهر الحب، والشتاء في ذروته. المطر ينهمر بهدوء، والمدينة تبدو أبطأ من عادتها، كأنها تستسلم لإيقاع الغيم. كنت أجلس في مقهى صغير، أضم فنجان قهوتي بين يديّ أستمد منه دفئاً يشبه الطمأنينة، أراقب قطرات المطر وهي تنساب على الزجاج.
وفجأة… انطلقت في المكان أغنية عمري لا شفته ولا قابلته بصوت وردة الجزائرية.
لم أكن مستعدة لشيء استثنائي. لكن شيئاً في داخلي تبدّل مع أول جملة.
يا حبيبي كنت وحشني من غير ما أشوفك وتشوفني…
ارتجف قلبي بطريقة خفيفة، كأن الكلمات لم تكن أغنية، بل اعترافاً مؤجلاً. تساءلت يا ترى… ماذا كان يفكر الشاعر حين كتبها؟ أي قصة عاشها؟ وأي شوقٍ كان يسكنه حتى صاغه بهذه البساطة العميقة؟
بين رشفة قهوة وصوت المطر، تركت خيالي يأخذني بعيداً. لم أعد في المقهى. دخلت عالماً آخر… عالماً نسجته كلمة كلمة.
تخيلتهما في عصرنا هذا، عصر التكنولوجيا والرسائل الطويلة عند منتصف الليل. تعارفا عبر مواقع التواصل منذ سنوات. لم يكن بينهما سوى شاشة مضيئة، لكنها كانت تكفي ليحكيا عن كل شيء عن أحلام الطفولة، عن خوفٍ لا يُقال لأحد، عن خيبات صغيرة يخبئانها خلف ابتسامات عابرة.
كانا يعرفان تفاصيل يوم بعضهما أكثر مما يعرفها من يجلس بقربهما.
عمري ما شفته ولا قابلته… وياما ياما شغلني طيفو…
سنوات وهما يتحدثان. يضحكان. يختلفان أحياناً. ثم يعودان كأن شيئاً لم يكن.
لكن اللقاء؟ كان دائماً مؤجلاً.
المسافات طويلة، والظروف أقسى من الأمنيات.
إلى أن جاء يوم…
يوم بدا عادياً للناس، لكنه لهما كان موعداً كتبه القدر منذ البداية.
“والقدر الحلو هو جابني وجابك عشان تقابلني…
تخيلت اللقاء الأول.
نظرة طويلة قبل أي كلمة. ارتباك خفيف. ابتسامة خجولة. وكأن كلاً منهما يقول في داخله: أخيراً.
لم يكن اللقاء صاخباً. لم تكن هناك موسيقى في الخلفية سوى دقات قلبيهما. جلسا يتحدثان كما كانا يفعلان
دائماً… لكن هذه المرة كانت العيون تنقل ما تعجز الرسائل عن إيصاله. كان في النظرات أمان غريب، وفي الصوت دفء لم تكن الشاشة تمنحه.
وتارينا كنا تايهين ولقينا
أحلى أيام ليالينا وإحنا فيها لوحدينا…
قضيا أياماً قليلة معاً. ربما أسبوعاً. في عالمنا السريع، حتى الأيام صارت قصيرة. لكن تلك الأيام كانت ممتلئة بالحياة. ضحكات صادقة. اعترافات مؤجلة. صمت جميل لا يحتاج إلى تفسير.
ومن قال إن الحب يحتاج سنوات ليكون حقيقياً؟
أحياناً لحظة صادقة تكفي.
أحياناً يأتي الحب في وقتٍ غير مناسب، لكنه يكون أصدق من حبٍّ عشنا معه عمراً كاملاً.
لكن… كما في كثير من القصص التي يكتبها القدر، لم يكن النصيب أن يكملا الطريق معاً. الظروف نفسها التي أخرت اللقاء، جاءت لتفصل بينهما. لم يكن هناك خلاف كبير، ولا خيانة، ولا دراما. فقط حياة تمضي في اتجاهين مختلفين.
افترقا…
لكن ليس فارغين.
حملا معهما ذكرى لقاءٍ كان يغني عن لقاءات كثيرة. لقاء قصير، لكنه عميق. حب لم يعش طويلاً، لكنه ترك بصمة
لا تُنسى.
عاد صوت الأغنية يعلو في المقهى. عدتُ أنا إلى فنجان قهوتي الذي برد قليلاً. نظرت إلى المطر وابتسمت.
الشتاء… والدفء… وأغنية وردة أخذوني إلى عالم آخر.
عالم صنعته من الخيال، لكنه بدا حقيقياً تماماً.
وأنتم…
لو شغّلتم هذه الأغنية الآن، إلى أين سيأخذكم خيالكم؟
مع أي أغنية نسجتم أنتم قصة من خيالكم؟
دعوا خيالكم دائماً يعمل…
فلنا في الخيال عالمٌ آخر،
عالم قد لا نعيشه دائماً، لكنه يمنحنا شعوراً بأن كل شيء ممكن
نبض