وقد بتنا على أبواب جهنم... وليد جنبلاط استباقاً لما يُستقبّل من زمن
نبيل الملحم
هل أدافع عن وليد جنبلاط بمواجهة الحملة الثقيلة التي يواجهها؟ لا، ولكننا اعتدنا على قول كل ما لاينبغي أن يقال حين نختلف، تماماُ كما لانقول ما ينبغي أن يقال في لحظات التوافق، والاختلال في مثل هذه المعادلة لابد وينال من كرامتنا في حاليه:
ـ أن لا نقول ما ينبغي قوله حين نتفق، وأن نقول كل مالاينبغي قوله حين نختلف.
ليس من السهل قراءة وليد جنبلاط، إلاّ بوصفه امتداداً لمسار سياسي معقّد، كان قد تشكّل عبر عقود من التعامل مع هشاشة التوازنات الطائفية في لبنان والمنطقة، وحذره على الدوام من خطورة تحويل الجماعات الصغيرة إلى أدوات في مشاريع إقليمية أكبر منها.
ـ تلك هي السمة الرئيسية لمسيرة وليد جنبلاط، وهي سمة موروثة من إرثه التاريخي الثقيل، بل ومن مخاضات تجربته أيضاً.
نعم من ارثه وتجربته. فالرجل:
ينتمي إلى مدرسة سياسية ورث فيها ذاكرة تاريخية مثقلة بالأسئلة، وبالدروس القاتلة، ليس فقط من خلال إرث والده كمال جنبلاط، بل أيضاً من خلال التجربة الدموية للحرب الأهلية اللبنانية، وهي تجربة رسّخت لدى كثير من الزعامات الطائفية قناعة بأن أي نزعة انعزالية قد تتحول سريعاً إلى كارثة وجودية على الجماعة نفسها قبل أن تكون مشروع خلاص لها.
من هذا المنظور يمكن فهم رفضه لفكرة قيام كيان درزي منفصل أو الانخراط في مشاريع عابرة تحكي عن ربط دروز سوريا بترتيبات سياسية أو أمنية مع إسرائيل، فجنبلاط يدرك أن الدروز تاريخياً عاشوا ضمن استراتيجيات الاندماج في الدول التي وجدوا فيها، مع الحفاظ على خصوصيتهم الاجتماعية والدينية، وأن انتقالهم إلى مشروع دولة خاصة بهم، سيضعهم في مواجهة مباشرة مع محيطهم العربي والإقليمي، وهو محيط أكبر عدداً وأكثر حساسية تجاه أي تحالفات قد تُفسَّر كاصطفاف مع قوى خارجية، فكيف إذا كان الاصطفاف تحت الراية الإسرائيلية التي ما استظل بها احد، إلاّ وانتهى "لقيط" بين قومه، ومتسوّل على المائدة الإسرائيلية؟
لذلك يذهب جنبلاط (ويا وحده اليوم) إلى تبني خطاب يرى أن حماية الدروز لا تتحقق عبر العزلة، بل عبر الانخراط في دول متعددة الطوائف، والرهان لن يكون إلاّ على ما سيغيّره كفاح السوريين لرسم مصائرهم في بلدهم المسمى "سوريا"، والدروز ليسوا بمفردهم من يبحثون عن دولة تّمجّد إنسانها ولا تستبيح كرامته، وهي الدولة التي غادرت توّاً توحش "دولة الأسد"، دون أن تولّد دولة السوري التي يستظل بعدالتها.
تجربته السياسية (وأعني وليد جنبلاط) جعلته يميل إلى البراغماتية الحذرة، فهو غالباً ما يتخذ مواقف تبدو متبدلة أو متناقضة، لكنها في قراءتها الأكثر حرصاً ونزاهة، تنطلق من محاولة تفادي لحظات الانفجار الكبرى التي قد تدفع جماعته إلى صراعات وجودية، وفي الحالة السورية تحديداً، يبدو أنه يخشى أن يؤدي تسليح الهوية الطائفية إلى تحويل الدروز إلى طرف في حرب مفتوحة مع بيئاتهم الاجتماعية المحيطة، وهو ما قد يكرر نماذج مأساوية شهدتها جماعات أخرى في المنطقة حين تحولت من مكونات اجتماعية إلى كيانات عسكرية محاصرة.
الهجوم الذي يتعرض له جنبلاط اليوم، من اكثرية الأصوات الدرزية، يمكن قراءته أيضاً في سياق التحولات التي أصابت المجتمعات المشرقية بعد الحروب والانهيارات الكبرى، حيث تصاعدت نزعات الحماية الذاتية والخوف من المستقبل (وهي ناتج مخاوف مشروعة)، ما يدفع بعض التيارات إلى تبني مشاريع طائفية مغلقة باعتبارها ملاذاً آمناً.. في المقابل، يراهن جنبلاط على فكرة أن الأقليات لا تستطيع أن تبني استقرارها عبر كيانات صغيرة معزولة، بل عبر شبكات علاقات أوسع تحمي وجودها ضمن دول أكبر حتى لو كانت هذه الدول مضطربة.
يمكن أيضاً قراءة موقفه ضمن فهمه لطبيعة الصراع في المنطقة، إذ يبدو أنه يرى أن أي مشروع طائفي منفصل، غالباً ما يتحول إلى ورقة في لعبة إقليمية، وأن القوى الكبرى لا تتعامل مع مثل هذه المشاريع باعتبارها دولاً قابلة للحياة، بل مناطق نفوذ مؤقتة، لذلك يحاول أن يحافظ على موقع سياسي يسمح له بالمناورة داخل التوازنات العربية والإقليمية بدلاً من الارتهان لتحالف واحد قد يعرّض جماعته لعزلة طويلة الأمد، بل ربما إلى ما يتجاوز العزلة، إلى مجازر قد لا تتوقف ولا تنتهي.
مواقفه هي أقرب إلى محاولة إدارة خوف تاريخي لدى جماعة صغيرة تعيش في منطقة مضطربة، حيث يختار الرهان على التعددية السياسية والتعايش داخل الدول القائمة، حتى لو بدا هذا الخيار هشاً أو غير مضمون، على خيار الانفصال الذي قد يمنح شعوراً مؤقتاً بالأمان لكنه يفتح أبواب صراعات لا يمكن التحكم بمآلاتها.
ـ والسؤال:
هل نستطيع ربط مواقف وليد جنبلاط بمواقف ابيه كمال جنبلاط كما بمواقف جده لأمه شكيب أرسلان، بحيث يستكمل هذا الربط، القراءة "العاقلة" لوليد جنبلاط، من خارج تلك الهجائيات التي يواجهها؟
يمكن ذلك، بل سيكون ممكناً اكثر، إذا ما وُضعت ضمن سلسلة تاريخية عائلية وسياسية تمتد إلى والده كمال جنبلاط، وإلى جده لأمه شكيب أرسلان، إذ لا تبدو خياراته الراهنة مجرد اجتهاد سياسي ظرفي، بل امتداداً لتحولات عميقة داخل تقاليد فكرية وسياسية تراوحت بين النزعة القومية الجامعة والواقعية السياسية التي تفرضها هشاشة الأقليات في المشرق.
يستمد وليد جنبلاط جزءاً مهماً من رؤيته من الإرث الفكري والسياسي لكمال جنبلاط، الذي مثّل نموذجاً لزعيم حاول أن يخرج بالطائفة الدرزية من الانغلاق الطائفي إلى مشروع وطني وعربي أظهرت فيه الطائفة نفسها كجزء من حركة تحرر أوسع، فكمال جنبلاط لم يكن يرى الدروز ككيان سياسي مستقل، بل كجزء من خارطة وطنية تتجاوز الطوائف، وقد ارتبط مشروعه باليسار اللبناني وبمحاولة إعادة تعريف الهوية السياسية للطوائف الصغيرة داخل دولة متعددة.
هذا التصور حمل في داخله قناعة بأن حماية الجماعات لا تتحقق عبر العزلة، بل عبر المشاركة في مشروع سياسي وطني أوسع، يمنحها شرعية وجودها داخل الدولة.. يمكن القول إن وليد جنبلاط ورث هذه الفكرة الأساسية، لكنه أعاد صياغتها بلغة أكثر براغماتية وأقل أيديولوجية، بعدما شاهد انهيار المشاريع الكبرى التي آمن بها جيل والده، ورأى كيف يمكن للشعارات الثورية أن تنتهي إلى صراعات داخلية مدمرة.
في المقابل، يظهر أثر شكيب أرسلان في بُعد آخر من رؤية وليد جنبلاط، يتمثل في الحس التاريخي للعلاقة بين الأقليات والمحيط الإسلامي والعربي الأوسع.
أرسلان كان من أبرز المدافعين عن فكرة التضامن الإسلامي والعربي في مواجهة التفكك الذي أصاب المشرق مع نهاية الدولة العثمانية، وكان يرى أن الأقليات، ومن بينها الدروز، لا تستطيع أن تحمي وجودها إلا ضمن فضاء حضاري وسياسي واسع، لا ضمن كيانات ضيقة.
هذا التصور ينعكس في رفض وليد جنبلاط لأي مشروع يعزل الدروز في إطار دولة خاصة أو يربطهم بتحالفات منفصلة عن محيطهم الإقليمي، لأنه يرى في ذلك خروجاً عن تقليد تاريخي سعى إلى إدماج الدروز في محيطهم لا فصلهم عنه، يتقاطع في ذلك مع فهم موسى الصدر لأحوال الشيعة في لبنان، كما يتقاطع مع الفضاءات الإسلامية التي رسم لها رفيق الحريري، لتكون أصوات صلوات الكنائس اللبنانية، قريبة إلى الله كما أصوات مآذنه .
الرابط بين الشخصيات الثلاث (وليد جنبلاط، كمال جنبلاط، شكيب أرسلان) لا يقوم فقط على الاستمرارية، بل أيضاً على التحول، فشكيب أرسلان كان ابن مرحلة انهيار الإمبراطوريات وصعود الهويات الجامعة، بينما عاش كمال جنبلاط زمن صعود الحركات الثورية والقومية واليسارية، أما وليد جنبلاط فقد تشكّل وعيه السياسي في زمن انهيار هذه المشاريع وصعود الهويات الطائفية والحروب الأهلية، ولذلك تبدو مواقفه أكثر حذراً وأقل يقيناً أيديولوجياً، فهو لا يطرح مشروعاً فكرياً شاملاً بقدر ما يسعى إلى إدارة التوازنات المعقدة التي تحيط بجماعته، ومع ذلك، فإن هذا الحذر لا يلغي استمرار الخيط الفكري الذي يربطه بسلفيه، وهو الخوف من أن تتحول الطائفة إلى كيان سياسي منفصل يفقدها قدرتها على العيش داخل محيطها التاريخي.
في هذا السياق، يمكن فهم رفضه للمشاريع التي تتحدث عن ربط دروز سوريا بترتيبات سياسية أو أمنية مع إسرائيل بوصفه امتداداً لفكرة تاريخية ترى أن أي انفصال عن المحيط العربي يضع الجماعات الصغيرة في مواجهة صراعات وجودية طويلة الأمد.. هذا الموقف يعكس أيضاً إدراكاً بأن تجارب الأقليات في المنطقة أظهرت أن التحالف مع قوى خارجية قد يمنح حماية مؤقتة لكنه يضعف الشرعية الاجتماعية والسياسية والأخلاقية داخل البيئة الطبيعية لهذه الجماعات، وثمة دروس تفقأ عين من لايرغب أن يرى.
بهذا المعنى، تبدو مواقف وليد جنبلاط وكأنها نتيجة تفاعل بين ثلاثة مستويات زمنية متداخلة: إرث فكري عروبي إصلاحي ورثه من شكيب أرسلان، ومشروع وطني تقدمي حمله كمال جنبلاط، وتجربة شخصية قاسية مع الحروب والانهيارات دفعت الابن إلى تبني سياسة تقوم على تجنب المغامرات الكبرى والرهان على إدارة التوازنات.
هذه السلسلة تجعل موقفه من فكرة الدولة الدرزية أو أي مشاريع انفصالية ليس مجرد خيار سياسي راهن، بل امتداداً لمسار تاريخي يرى أن بقاء الجماعات الصغيرة في المشرق مرتبط بقدرتها على الاندماج في كيانات أوسع، حتى وإن كانت هذه الكيانات نفسها تعيش حالة اضطراب دائم وخوف على مصائرها ، دون نسيان أن الطائفة الدرزية في سوريا، كانت قد تعرّضت لمقتلة، لا ينبغي نسيانها، كما لا ينبغي تكرارها عبر الاستثمار بها.
ـ ما الذي تبقّى؟
ما تبقّى هو أن القضايا الوجودية التي تمس مصير جماعة بشرية كاملة، هي قضايا أكبر من أن تُختزل في رأي فرد، أو تُحتكر باسم زعيم، أو تُحسم عبر منطق الاصطفاف ، فالشعوب لا تُدار بعقل واحد، ولا تُختصر بذاكرة واحدة، ولا يمكن أن تتحول إلى ملكية فكرية أو سياسية لأي جهة مهما بلغ حضورها أو رمزيتها.. إن حق الاختلاف في مثل هذه القضايا ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة أخلاقية وتاريخية، لأن الجماعات التي تفقد قدرتها على النقاش الحر تفقد تدريجياً قدرتها على رؤية مخاطر المستقبل.
إن الاختلاف حول طرق حماية الوجود أو ضمان الاستمرار هو اختلاف مشروع، بل هو علامة حيوية داخل أي مجتمع حيّ، فحين يتحول الرأي إلى معيار للولاء، يصبح الخوف هو اللغة الوحيدة الممكنة، وحين يُستبدل الحوار بالاتهام، تفقد الجماعة قدرتها على مراجعة ذاتها وتصحيح مساراتها.
إن التاريخ يعلمنا أن الشعوب التي احتكرت تمثيلها في صوت واحد كانت أكثر عرضة للانكسار، بينما استطاعت الشعوب التي سمحت بتعدد الأصوات أن تجد لنفسها طرقاً جديدة للبقاء والتجدد.
ما أكتبه هنا، ليست الغاية منه أن ينتصر رأي على آخر، بل أن يبقى الحق في التفكير محفوظاً للجميع، وأن تبقى الجماعة مساحة مفتوحة للأسئلة لا سجناً للأجوبة الجاهزة، فالشعوب لا تُصان بوحدة الرأي، بل بوحدة الاحترام المتبادل بين المختلفين داخلها، وحين يصبح الاختلاف شكلاً من أشكال الحرص على المصير المشترك، يتحول التنوع من مصدر قلق إلى مصدر قوة، ومن احتمال للانقسام إلى فرصة لبناء مستقبل أكثر اتساعاً وإنصافاً لمّن يُفكّر لا لمن يشتم.
نبض