في عيد الحُبّ، سقط عاشق بيروت شهيداً
ريمي الحويّك
بيروت، التي خرجت من البحر مثل صلاةٍ زرقاء، ومن القصيدة كجرحٍ جميل، لم تكن يوماً تفصيلاً في دفتر التاريخ.
هي مدينة تُحبّ حتى الفناء، وتمنح قلبها بلا حساب، ثم تُطالَب في كل مرّة أن تدفع ثمن هذا الحب دمّاً وخذلاناً.
في بيروت، لم يسقط الحبّ سهواً بل أُسقِط عمداً، أُسقِطَ تحت ركام السياسة وأشلاء وطنٍ منكوب، وفوق جسد وطنٍ اعتاد أن يُطعَن وهو واقف.
حين تولّى الرئيس رفيق الحريري رئاسة الحكومة في التسعينيات، بدا كأن لبنان قرّر أن يتنفّس من جديد.
لم يكن مشروعه إسمنتاً وحديداً فقط، بل فكرة وطن، أن تُرمَّم الطرق كي تعود القلوب إلى بعضها، أن يُنعش الاقتصاد ليحيا الناس بكرامة، وأن يُستثمر في الإنسان لأن الأوطان لا تُبنى إلا بالبشر.
آمن الحريري أن الدولة فعلُ طمأنينة، وأن الاستقرار ليس ترفاً بل حقّ، وأنّ بيروت خُلقت لتكون نافذة الشرق على العالم، لا ساحة صراع الآخرين. وفي زمنٍ قصير، بدأت المدينة تشبه نفسها من جديد، تنهض من الرماد، وتجرّب أن تحلم بلا خوف.
في الرابع عشر من شباط 2005، بينما كان العشّاق يعلّقون قلوبهم على شرفات الورد ويكتبون رسائلهم بأحبار حمراء، انفجرت بيروت من خاصرتها وكُتبت رسالة رفيق الحريري بالنار، لا بالحبر.
صار الأحمر سواداً وصار الحب حداداً، وانطفأ الضوء فجأة، كما تنطفئ شمعة في كفّ طفل.
لم يكن الاغتيال قتلَ رجلٍ، بل محاولةَ قتل وطنٍ وهو في طور الشفاء، واغتيال فكرة أن لبنان يمكن أن يعيشَ حرّاً، بلا استعمارٍ أو وصايةٍ أو احتلال، سواء من جارٍ أو من غريب. كان اغتيال رجل رفض الخنوع لنظامٍ قمعيّ، صمد بإصرارٍ أمام تهديدات بحرقه وحرق لبنان، حاملاً كرامة وطنه على كتفيه.
بعد إحدى وعشرين سنة، لا يزال اسم رفيق الحريري يسكن ذاكرة البلاد كعلامة على ما كان ممكناً.
لم يكن مجرّد رئيس حكومة، بل رجل دولة حمل لبنان كقضية شخصيّة، ومشى به حتى آخر الطريق.
اغتيل الجسد، لكن المشروع لم يُدفن.
بقي رمزاً للبناء، وللدولة، وللحلم الذي لا يموت بسهولة.
واليوم، مع مرور إحدى وعشرين سنة، ما زالت العدالة مؤجّلة، كأنها وعدٌ خجول لا يجرؤ على الوصول.
لم يُحاسَب الآمر ولا المنفّذ أو المتورّط، ورأس الأفعى انسحب من الجغرافيا، لكنّه سُجِّل إلى الأبد مجرماً فارّاً في سجلّ التاريخ.
بقيت المدينة تئنّ تحت الأنقاض والآهات، تائهة بين ماضٍ مُغتال ومستقبل يفرّ منه الضوء، فيما الأيادي التي نفّذت ما زالت تتحكّم برقبة الوطن، تخنقه ببطء وتمنع عنه أي أفق للاستقرار والسلام.
لو كان رفيق الحريري حيّاً اليوم، لحمل لبنان المنهك على كتفيه، يسير به بين واحات القرار، نائياً عنه أي سقوط.
لو لم يُقتل، لما تجمّد الزمن في لحظة رحيله، وما زال لبنان منذ ذلك الحين يترنّح إلى الوراء، ضائعاً، بلا بوصلة، لا فكر يرشده ولا يد تنقذه.
وبيروت الحلوة، ما زالت مدينة تنزف بصمت، تمشي فوق ذاكرتها، وتتقن الصبر أكثر مما ينبغي.

ومع سقوط أنظمة، وتبدّل خرائط، وتغيّر موازين القوى، مع كلّ فجر حزين، يظلّ السؤال معلّقاً في سماء بيروت الجريحة وفوق بحرها المتعب: هل يُحاسَب القاتل يوماً؟ وهل ستنهض العدالة لتعيد للوطن كرامته المسلوبة؟
أم أن بيروت ستبقى مدينة تُحِبّ وتُحَب… وتُغتال؟
نبض