لبنان على مفترق إقليمي... تسوية أم انفجار؟

منبر 10-02-2026 | 11:42

لبنان على مفترق إقليمي... تسوية أم انفجار؟

سعت إيران إلى تسريع عودتها إلى المسار التفاوضي، في محاولة لفتح ثغرة في جدار الأزمة المتفاقمة
لبنان على مفترق إقليمي... تسوية أم انفجار؟
علم لبناني أمام مرفأ بيروت (أرشيف)
Smaller Bigger

حسن درغام *
يتقاطع المشهد الإقليمي الراهن مع تحوّل واضح في نهج إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب حيال الشرق الأوسط. فبعد انطلاق الاتفاقات الإبراهيمية في ولايته الأولى، يبدو هذا المسار في ولايته الثانية متوقفاً، بعدما اصطدم بمعوقات عديدة، أبرزها غياب أي أفق لحل عادل للقضية الفلسطينية، ما حال دون انتقاله إلى محطات جديدة.

جاء هذا التوقف في أعقاب الزلزال الذي ضرب المنطقة بعد "طوفان الأقصى" وحروب السابع من أكتوبر، وما نتج منها من نكسات متلاحقة للمحور الذي رعته إيران لعقود. فقد أدّت التطورات الميدانية إلى تراجع نفوذ هذا المحور، سواء بعد سقوط النظام السوري، أو بفعل الضربات القاسية التي تعرّضت لها أذرعه في غزة ولبنان، ما قلّص هامش المناورة السياسية والعسكرية لطهران.

أمام هذا الواقع، سعت إيران إلى تسريع عودتها إلى المسار التفاوضي، في محاولة لفتح ثغرة في جدار الأزمة المتفاقمة، والتي زادت من عزلتها الإقليمية والدولية. فبعد سنوات من التشدد الأيديولوجي، بدا التحول نحو مقاربة أكثر مرونة وبراغماتية خياراً اضطرارياً لتخفيف الضغوط السياسية والاقتصادية الخانقة.

في المقابل، تبدو الولايات المتحدة جادّة في السعي إلى تحقيق أهدافها الاستراتيجية في الشرق الأوسط. ويُفسَّر ذلك بتحريك هذا الأسطول البحري الضخم في مياه المنطقة، من البحر الأحمر وصولًا إلى مضيق هرمز، حيث يمر نحو ثلث إنتاج العالم من النفط والغاز المسال. ويرى عدد من المراقبين في هذا الانتشار العسكري محاولة لتشديد السيطرة على طرق الطاقة، والتحكم بحركة ناقلات النفط المتجهة من إيران إلى الصين.

غير أن تحريك أسطول بهذا الحجم، تتقدّمه حاملة طائرات، لا يمكن اختصاره بهذا الهدف وحده. فواشنطن أعلنت صراحة أن هذا الضغط العسكري يهدف إلى دفع طهران نحو قبول الصفقة السياسية الأميركية، تحسّباً لاحتمال انهيار المفاوضات من دون التوصل إلى اتفاق. وتشمل هذه الصفقة خفض نسبة تخصيب اليورانيوم، وتقليص مدى الصواريخ البالستية، ووقف دعم الأذرع العسكرية في المنطقة.

في هذا السياق، تبقى صعوبة التكهن بالمسار الذي سيسلكه وزير الخارجية الإيراني عباس عرقجي، الذي يحظى بثقة دوائر القرار الدينية والعسكرية، ويشكّل نقطة تلاقٍ بين التيار الإصلاحي من جهة، والتيار المتشدد المرتبط بالمؤسسة الحاكمة من جهة أخرى. وهو ما يجعل المفاوضات رهينة توازنات داخلية دقيقة داخل النظام الإيراني نفسه.

حتى الآن، لا تبدو أجواء الاجتماع الأول في مسقط سلبية. فقد وصفها ترامب بأنها "بداية جيدة جداً"، ما ساهم في خفض منسوب التصعيد. وعلى هذا الأساس، وافق الرئيس الأميركي على منح الديبلوماسية مزيداً من الوقت، وهو ما تراهن عليه طهران لإحداث خرق في مواقف الجناح المتشدد، تمهيداً لتفاهم محتمل يرفع عنها عبء العقوبات، ولا سيما منها تلك التي أصابت صادراتها النفطية في الصميم.

في موازاة ذلك، دفعت أجواء مسقط الإيجابية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الاستعجال في زيارته المرتقبة إلى واشنطن، لمعرفة حدود التفاهمات المقبولة أميركياً، وربما لمحاولة التأثير على مسارها، أو التلويح بخيارات أمنية أحادية في حال تعثّرها.

أمّا لبنان، المنهك من الحروب وعدم الاستقرار الذي طاول حدوده الجنوبية منذ اتفاق القاهرة عام 1969، والذي حوّل تلك الحدود إلى ساحة صراع مفتوحة وصندوق بريد إقليمي، فقد تعاقبت قوى عدة على استخدامه منصة لتصفية الحسابات. من منظمة التحرير الفلسطينية، إلى الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، مروراً بالوصاية السورية، وصولاً إلى تحوّله قاعدة متقدمة لإيران على شاطئ المتوسط.

كل ذلك وفّر لإسرائيل الذرائع التي احتاجتها لإطلاق يد آلتها العسكرية قصفاً وتدميراً في الجنوب، وتبرير اعتداءاتها المتكررة واحتلالها المستمر.

اليوم، يقف لبنان أمام لحظة بالغة الدقة. فسقوط فرص التفاهم في مسقط قد يعيده إلى قلب النار الإقليمية، ليدفع مجدداً أثماناً باهظة من أمنه وسيادته واستقراره. أمّا نجاح المسار التفاوضي، فقد يمنح العهد الجديد برئاسة جوزف عون فرصة تاريخية لإرساء سيادة الدولة على كامل أراضيها، وترجمة ما ورد في خطاب القسم.

وتبدأ هذه المسيرة بترسيم الحدود الجنوبية، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي عبر تفكيك النقاط السبع، واستعادة الأسرى، ووقف الاعتداءات، بالتوازي مع حصرية السلاح بيد الجيش والقوى الشرعية، وتفعيل آلية التفاوض للتوصل إلى هدنة جديدة، شبيهة بتلك التي وُقّعت عام 1948.

(*) مهندس وكاتب سياسي

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 2/9/2026 2:08:00 AM
فيديو من البنتاغون يوثق جسماً غامضاً فوق سوريا… هل نحن أمام ظاهرة تتحدى الفيزياء؟
دوليات 2/9/2026 8:03:00 PM
محامي غيسلين ماكسويل يطلب العفو لموكلته مقابل"الرواية الكاملة" لإبستين ويؤكد براءة ترامب وكلينتون
ايران 2/9/2026 10:36:00 PM
قطع بث كلمة بزشكيان يثير جدلاً ويكشف توتراً مكتوماً مع إعلام يتبع للمرشد
سياسة 2/9/2026 7:00:00 AM
صباح الخير من "النهار"...إليكم أبرز الأخبار والتحليلات لليوم الاثنين 9 شباط / فبراير 2026