هل يجوز لي كلّ شيء؟

منبر 09-02-2026 | 09:21

هل يجوز لي كلّ شيء؟

نحن في عصر مقولة "كلّ شيء يجوز لي" ببُعدها المرَضيّ، يُعلنها ويمضي بها كلّ منحرِف نرجسيّ وكلّ متهوِّر ولا مَن يُحاسِب. من ترامب وزبانيّته المحيطة به والمستفيدة معه، إلى الصهاينة أكبر المُستثمِرين في هذا المجال. في الأزمنة الخالية، كانت هناك أخلاق تَحكم وحسّ إنسانيّ عامّ يجعل المرء يُدرك حدوده.
هل يجوز لي كلّ شيء؟
تعبيرية (انترنت)
Smaller Bigger

الاب ايلي قنبر 

 

 

 

1-كلّ شي يجوز لي
نحن في عصر مقولة "كلّ شيء يجوز لي" ببُعدها المرَضيّ، يُعلنها ويمضي بها كلّ منحرِف نرجسيّ وكلّ متهوِّر ولا مَن يُحاسِب. من ترامب وزبانيّته المحيطة به والمستفيدة معه، إلى الصهاينة أكبر المُستثمِرين في هذا المجال. في الأزمنة الخالية، كانت هناك أخلاق تَحكم وحسّ إنسانيّ عامّ يجعل المرء يُدرك حدوده.
"كلّ شيء يجوز لي" يُعلن بولس الرسول في إحدى رسائله. لكنّه يستدرِك: "لكن لَيسَ كُلُّ شَيءٍ يَنفَع"... أليس الأمر صحيحاً؟
فهل تجويع الأطفال ومنع الماء والدواء عنهم وسفك دمائهم قنصاً وتفجيراً وقصفاً يجوز وينفع؟ هل سحق جسد الآخَر كأداة للهيمنة، ونزع الإنسانيّة عنه (التي تكشف عن نهج استعماريّ قديم جدّاً) كما في فظائع إبْستِين وشركائه في الجرائم ضدّ الإنسانيّة من "عظماء" العالم يُعتبَر من الأشياء التي تجوز وتنفع ويُقتدى بها، وحيث تُصبح "الجريمة طقساً سياديّاً وتغدو الفضيحة وسيلةً لإعادة إنتاج نظامٍ عالميّ أكثر توحُّشاً وصلابةً"؟

 

 

يسمح الاستعمار لنفسه بأشياء لا يمكن أن يقبلها الفكر السليم ولا الأخلاق: يُشير فرانز فانون إلى أنّ الاستعمار "لا يعمل بالسلاح فقط، بل يُعيد تشكيل الخيال، بحيث يُصبح العنف مقبولاً حين يُمارَس على أجساد جرى نزع إنسانيتّها مُسبَّقاً". وفي مجال تشكيل الخيال، "يبرع" الأميركيّ في شيطنة الآخَر. فبعد انهيار جدار برلين، هنّأ بوش الأب العالم بانتصار الغرب على "امبراطوريّة الشرّ" (الشيوعيّة) بـ"تواضعه" المعهود: "أميركا ليست مجرّد أُمّة، بل فكرة تعيش في عقول الناس في كلّ مكان. وبينما يتشكّل هذا العالم الجديد، تقف أميركا في وسط دائرة من الحرِّيَّة آخذة في الاتّساع"، وبالطبع على حساب الجميع بلا استثناء وبلا تردّد كما تُظهرها مواقف ترامب وأفعاله "ليمتَدّ".
2-"أَللهُ هُوَ ٱلمُنتَقِمُ لي، وَمُخضِعُ ٱلشُّعوبِ تَحتي"
اعتبر إبستين وزبانيّته أن بسبب إدارتهم للمال والسلطة "بإمكانهم فِعل ما يريدون بمَن يريدون، فتسقط هنا كلّ ادّعاءات الأخلاق والقوالب الثقافيّة والمنظومات القيَميّة. فهذه القلّة تمتلك ما يكفيها من قوّة ونفوذ ومال حدّ الاعتبار بأنّ كلّ شيء مُباح لها. حتّى أنّهم لم يخجلوا من تصوير أفعالهم لعِلمهم أنّهم أعلى من أيّ قدرة على المُحاسَبة، بوَصفهم أصحاب الحُكم الأساسيّين". في هذا، يتابع هؤلاء ما بدأه أجدادهم: "حين تقترب من مدينة لكي تحاربها استدعها للصلح، فإن أجابتك إلى الصلح وفُتحت لك، فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويُستعبد لك، وإن لم تسالمك، بل عملت معك حرباً، فحاصرها. وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحدّ السيف. وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة، كل غنيمتها، فتغنمها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب"(تثنية الاشتراع، 20: 10-16). ما يؤكِّده تصريح الأستاذ بجامعة حيفا "بيت هَلحَمي" الذي يرى أن إسرائيل تتعامل مع كتابها المقدس بوصفه مرجعاً تاريخيّاً يجب تكرار أحداثه التاريخية: "حرَّموا كل ما في المدينة من رجل وامرأة، من طفل وشيخ، حتى البقر والغنم والحمير، بحد السيف.. وأحرقوا المدينة بالنار مع كل ما بها" (يشوع بن سيراخ 6: 21-24)
3-"وَلَكِن لا يَتَسَلَّطُ عَلَيَّ شَيء"
بالرجوع إلى كلام بولس الرسول:"كلّ شيء يجوز لي، ولكن... لا يتسلّط عليّ شيء". إنغماس المرء في الشرّ يُصعِّب عليه القدرة على التميِيز واتّخاذ قرار "التوبة - التحوُّل الكبير"، حتّى لا أقول يَمنعه.
وبالعودة إلى إنجيل الابن الضالّ (لوقا 15: 11-32)، نجد أنّ الابن الأصغر الذي أنتزع من أبيه "نَصيبه مِنَ ٱلمال... قد بَذَّرَ ما لَهُ هُناكَ (في الغُربة) عائِشاً في ٱلخَلاعَة". مُتغافلاً أنّ "ٱلجَسَدُ لَيسَ لِلزِّنى بَل لِلرَّبِّ، وَٱلرَّبُّ لِلجَسَد". يحيا الانسان في جماعة وليس في العزلة. وكلّ ما يُصيبه يُصيب تلك الجماعة والعكس صحيح أيضاً، ذلك أنّ "أَجسادَكُم هِيَ أَعضاءُ ٱلمَسيح"، وهي "هَيكَلُ ٱلرّوحِ ٱلقُدُسِ ٱلَّذي فيكُم ... (وأنّنا) لَسنا لِأَنفُسِنا، لِأَنَّا قَد ٱشتُرينا بِثَمَنٍ كَريم".
يُساعدنا في تقدير ما نحن عليه حقّاً - وليس في واقعنا اليوميّ المرير- أن هناك "فيما (نحن) بَعيدون أَبٌ يرانا، فَتَتحَرَّكَ أَحشاؤُهُ، وَيُسرَعَ وَيُلقى بِنَفسِهِ عَلى عُنُقِنا وَيُقَبَّلَنا". لا بل يهتف: "هاتوا ٱلحُلَّةَ ٱلأولى وَأَلبِسوهُ، وَٱجعَلوا خاتَماً في يَدِهِ وَحِذاءً في رِجلَيهِ، وَأتوا بِٱلعِجلِ ٱلمُسَمَّنِ وَٱذبَحوهُ، فَنَأكُلَ وَنَفرَح". ويُعطينا ختماً أو خاتماً أو عربوناً" علامة السيادة المُستَعادة. في حين يبقى بعضنا في حالة غموض كالإبن الأكبر في المثَل، كمُحرِّك "للاستعمار" وتبرير له: "كم لي مِنَ ٱلسِّنينَ أَخدُمُكَ وَلَم أَتَعدَّ وَصِيَّتَكَ قَطّ! وَأَنتَ لَم تُعطِني قَطُّ جَدياً لِأَفرَحَ مَعَ أَصدِقائي".
ختامًا، كيف تقرأون: "يا لَلعجَب! نجد القلب إلى اليسار عند الإنسان، تماماً كالذكاء الذي نجده في الفلقة الصدغيّة اليسرى. بمعنى آخَر، إلى اليمين لا نجد قلباً ولا ذكاءً، هذا ما تقوله الطبيعة"؟

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 2/9/2026 2:08:00 AM
فيديو من البنتاغون يوثق جسماً غامضاً فوق سوريا… هل نحن أمام ظاهرة تتحدى الفيزياء؟
دوليات 2/9/2026 8:03:00 PM
محامي غيسلين ماكسويل يطلب العفو لموكلته مقابل"الرواية الكاملة" لإبستين ويؤكد براءة ترامب وكلينتون
ايران 2/9/2026 10:36:00 PM
قطع بث كلمة بزشكيان يثير جدلاً ويكشف توتراً مكتوماً مع إعلام يتبع للمرشد
سياسة 2/9/2026 7:00:00 AM
صباح الخير من "النهار"...إليكم أبرز الأخبار والتحليلات لليوم الاثنين 9 شباط / فبراير 2026