الوعي بالذات: لماذا لا يتغيّر مصير الإنسان مهما تغيّرت ظروفه؟

منبر 06-02-2026 | 16:10

الوعي بالذات: لماذا لا يتغيّر مصير الإنسان مهما تغيّرت ظروفه؟

قد يغيّر الإنسان مدينته، عمله، شريكه، وحتى اقتناعاته المعلنة… ومع ذلك، يجد نفسه يعود إلى النقطة نفسها. ألمٌ يتكرر بأشكال مختلفة، خيبةٌ تتبدل وجوهها ولا يتبدل أثرها، ونهاية مألوفة نشعر أننا "تعلّمنا منها" ثم نعيشها من جديد. وهنا تبرز حقيقة صادمة: نغيّر الظروف كثيراً، لكننا نعيد المصير ذاته حين لا يتغيّر الوعي الذي يفسّرها.
الوعي بالذات: لماذا لا يتغيّر مصير الإنسان مهما تغيّرت ظروفه؟
تعبيرية (انترنت)
Smaller Bigger

ناهيا أبو إبراهيم - خبيرة علاقات زوجية وتنمية ذاتية


 

قد يغيّر الإنسان مدينته، عمله، شريكه، وحتى اقتناعاته المعلنة… ومع ذلك، يجد نفسه يعود إلى النقطة نفسها. ألمٌ يتكرر بأشكال مختلفة، خيبةٌ تتبدل وجوهها ولا يتبدل أثرها، ونهاية مألوفة نشعر أننا "تعلّمنا منها" ثم نعيشها من جديد. وهنا تبرز حقيقة صادمة: نغيّر الظروف كثيراً، لكننا نعيد المصير ذاته حين لا يتغيّر الوعي الذي يفسّرها.

السؤال الحقيقي ليس لماذا تحدث لي هذه الأمور، بل لماذا تتشابه النتائج رغم اختلاف الظروف؟ الجواب يبدأ من الداخل. فالمصير، في جانبٍ كبير منه، لا يُصاغ فقط بما يحدث لنا، بل بالطريقة التي نستقبل بها ما يحدث، والمعنى الذي نمنحه له، ثم السلوك الذي نبنيه على هذا المعنى.

كلمة الوعي بالذات من أكثر المفاهيم تداولاً اليوم، لكنها من أكثرها سوء فهم. يظنها البعض ثقافة، قراءة، أو تراكم تجارب. لكن التجربة العملية تكشف أن الإنسان قد يعرف الكثير عن الحياة، ومع ذلك يعيش بلا وعي حقيقي. فهو يفهم قصته بعد أن تقع، لكنه لا يرى نفسه في اللحظة التي تتشكل فيها القصة داخله. وهنا يتأكد أن ما نعيشه اليوم ليس دائماً نتيجة ما يحدث الآن، بل نتيجة الطريقة التي تعلّمنا بها الاستجابة قديماً.

 

الوعي ليس معلومة نضيفها إلى العقل، ولا نصيحة نسمعها فنحاول تطبيقها كواجب. الوعي هو القدرة على ملاحظة ما يجري داخلنا أثناء حدوثه: لماذا أفكر بهذه الطريقة؟ لماذا يشتعل هذا الخوف هنا؟ حين يحدث ذلك ننتقل من ردّ الفعل إلى الفهم، لأنه حين يرى الإنسان نفسه وهو يشعر، ينتقل من الاندفاع إلى حرية الاختيار.

في العلاقات العاطفية يتجلى هذا بوضوح. شريك جديد، تفاصيل مختلفة، لكن الشعور القديم نفسه يعود. ليس لأن الأحداث متطابقة، بل لأن الجذر الداخلي الذي يفسّرها لم يتغيّر. ولهذا فإن العلاقات لا تعيد جروحنا مصادفة، بل تكشف ما لم نتنبه إليه بعد. الإنسان غير الواعي يغرق في التفاصيل، بينما الإنسان الواعي يرى النمط، ويدرك أن النمط المتكرر في حياته ليس فشلاً، بل رسالة لم تُفهم بعد.

تخيّل شخصين يتعرضان للتجاهل من الشريك. الأول يشعر فوراً بالرفض، يدخل جسده في حالة إنذار، فيغضب أو يتوسل أو يهاجم، ثم يخرج باستنتاج يغلق الأفق. الأخر يشعر بالألم أيضاً، لكنه لا يذوب فيه. يلاحظ أن شدة الألم أقدم من الموقف نفسه، فيسأل: لماذا يوقظ هذا التجاهل كل هذا الخوف داخلي؟ هنا يبدأ الفرق، لأن الوعي لا يمنع الألم، لكنه يمنع أن يتحوّل الألم إلى قدرٍ متكرر.

والوعي الحقيقي يقوم على ركائز عملية تتيح للإنسان أن يتحكم بردود فعله ويصوغ مصيره بوعي. أولها الوعي بالجهاز العصبي: كثير من ردود أفعالنا ليس ضعفاً في الشخصية، بل استجابات تعلّمها الجسم في فترات الخطر والتهديد، مثل الانزعاج المفاجئ أو الانسحاب أو الغضب المباغت. عندما ندرك أن هذه الاستجابات ناتجة من الجهاز العصبي، نصبح قادرين على تهدئة الداخل قبل أن يسيطر على الخارج. ثانيها الوعي بالأنماط المتكررة: أي مراقبة الطرق التي تتكرر بها المواقف أو المشاعر نفسها في حياتنا، من الانجذاب الى النوع نفسه من الأشخاص إلى تكرار الاختيارات التي تسبب الألم. هذه الأنماط ليست فشلًا، بل رسائل لم تُفهم بعد، وفهمها يفتح الباب للتغيير الواعي. ثالثها الوعي بالمشاعر بدل الغرق فيها: أن نسمي ما نشعر به ونلاحظه بدقة، مثل أن نقول "أنا أشعر بالغضب" بدل "أنا الغضب"، يعطي مساحة صغيرة لكنها حاسمة للتمييز بين الانفعال والاختيار، بين الاستجابة المبرمجة ورد الفعل الواعي. رابعها الوعي بالجسد والطاقة: الصراع الداخلي المزمن يستنزف الجسم، ويزيد التوتر، ويقلل الطاقة المتاحة لاتخاذ القرارات الواعية. مراقبة التنفس، الشعور بالتوتر، وتوجيه الانتباه للجسد تتيح للإنسان تنظيم طاقته الداخلية، واستعادة وضوح الرؤية، وحرية الاختيار في اللحظة نفسها.

في العلاقات، الوعي لا يجعل الإنسان - امرأة كان أو رجلاً - أكثر تحمّلاً للأذى، بل أقل انجذاباً له من الأساس. يمنحه حدوداً واضحة، وقرارات أهدأ، وقدرة على التمييز بين الحب والتعلّق، وبين الالتزام الصحي والاستنزاف العاطفي. الرجل الواعي لا يهرب من القرب خوفاً، والمرأة الواعية لا تساوم على ذاتها طلباً للأمان. كلاهما يختاران من موقع وعي لا من موقع جرح.

حين يتغير وعي الإنسان، لا تتغير حياته مصادفة… بل يتغير مسارها، لأن المصير لا تُعاد كتابته من الخارج، بل يُفهم أولاً من الداخل.

         
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 2/4/2026 11:17:00 PM
أحمد القذافي ينشر رواية اغتيال سيف الإسلام ويطالب بتحقيق شفاف
اقتصاد وأعمال 2/5/2026 10:51:00 AM
خطوة رقمية جديدة تدخل باصات النقل المشترك في لبنان، و"النهار" تشرح تفاصيل "غوغل ترانزيت" وتأثيره على التنقّل اليومي
Fact Check 2/3/2026 2:15:00 PM
The shocking image circulating online actually shows Abramović at a 2013 New York charity event—what looked like “human flesh” is a performance art piece, not a crime.