مارون... اشفع لنا
ريبال إلياس سميا
"في ذكرى القديّسين تزهو بيعة الله". تكرّم الكنيسة في العالم قدّيسيها، وتعيّد لهم في تواريخ سنويّة معيّنة، لأنّهم - كما يقول البابا القديس يوحنا بولس الثاني: "القدّيسون هم أشخاص سمحوا للمسيح بأن يحيا فيهم، فصاروا شهودًا أحياء لإنجيله، ونماذج للقداسة في الكنيسة". فالقدّيس هو إنسان تدعو الكنيسةُ المؤمنين إلى طلب شفاعته، وإلى الاقتداء به. ولبنانُ، رغم كلِّ الصّعوبات التي مرّ بها، كان، ولا يزال أرضًا خصبة للدعوات والقدّيسين، فـ "الصدّيق كالنّخلة يزهو، وكالأرز في لبنان ينمو" (مز 92:12).
يقول الطوباويُّ البطريرك إسطفان الدويهي: "أعلم أن لفظة مارون منقولة من اللغة السريانية، وأصلها في السرياني مَزا ومُزا بضمّ الميم أو فتحها، ومعناها مختلف. فإن لفظَتَها بالضم فمعناها السيّد والرب؛ وإن لفظَتَها بالفتح فمعناها المرزبّة التي لكسر الحجارة، والفأس لقطع الشجر، والمرّ لقلب الأرض. وهاتان اللفظتان، على ما توجبه قواعد اللغة السريانية، أنّك إذا صغّرتهما صارتا مرونا (مُرونا) ضمًّا وفتحًا؛ وإن جزمتهما على موجب قواعدهم قلت مُرون ومَرون (مورون ومارون) بالضمّ والفتح، وتعيّن حينئذٍ أن يكون عَلَمًا شخصيَّا...".
في منتصف القرن الرّابع للميلاد، سكن في قورش راهبٌ أحبّ اللّه والحياة، وعرف أنّه "حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكَ، هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكَ أَيْضًا" (متى 6:21). فكان كنزه الله، جاذبًا كلّ أبناء المنطقة من حوله، شافيًا النّفس قبل الجسد.
راهبٌ حلّق في النّسك والتقشّف، كما يحلّق النّسر فوق جميع أترابه من الطّيور؛ فتقاتل على رفاته، بعد انتقاله، أبناء المنطقة. وبُنِيَ على اسمِهِ ديرٌ ضمّ أكثر من خمسمئة راهبٍ، كانوا ثابتين ومدافعين عن الإيمان المستقيم، على خطى مُلهِمِهِم القدّيس مارون، لأنّه على قَدرِ بَسالَةِ المحارب يأتي الحساب.
هذا النّاسك، العظيم بتواضعه، الغنيّ بِفَقرِهِ، واضح الإيمان، صريح الكلام والإرشاد، حازم القرار والتّعليم.
لا مكان عنده للفتور والرياء، ولا تهاون مع الخطأ. عاش في العراء مُتحدّيًا: الطبيعة، كبرياء النّفس والجسد، الهرطقاتِ والبدعَ، مدافعاً عن الإيمان الحقّ.
علّم بمحبّةٍ، وعرف أن الوصول إلى القمّة لا يتحقّق بثلاثين من الفضَّةِ، أو بلبسِ "الباش يانس" الأبيض، إنّما بِعَيش التواضع الصّادق، مردّداً مع بولس الرّسول "اطْرَحُوا عَنْكُمُ الْكَذِبَ وَتَكَلَّمُوا بِالصِّدْقِ، كُلُّ وَاحِدٍ مَعَ قَرِيبِهِ؛ لأَنَّنَا بَعْضُنَا أَعْضَاءُ الْبَعْضِ" (أفسس 4:25)، فاجتمع حوله تلاميذ من كلّ صوب، متعلّمين أسس الإيمان، والثبات، وعيش الشراكة وإنماء الجماعة.

هذه السنة، يعيّد اللبنانيون عيد القدّيس مارون، وبريق الأمل الذي طال انتظاره، يُطلّ مشرقاً بعد ليلٍ قاتمٍ طويل، اسودّت نجومه. البلد ينفض عنه غبار مرحلةٍ سابقة، ويستقبل مرحلةً جديدةً، ضبابيّة المعالم، لكنها مُشمِسَةَ الآمال، يُعَوِّلُ عليها معظم اللبنانيين للسير معًا نحو مسقبلٍ مشرق.
نصلّي إلى القديس مارون، كي - بشفاعته، وكما كانت "تلجات القلاليس الرهبانية التلاتة الكبار" بيضاء بامتياز هذه السّنة - يتحوّلُ بريق الأمل إلى واقعٍ أبيضَ، يُعِيدُ الديناميكية إلى مؤسّسات الوطن، ويُعِيدُ لبناننا إلى مكانته الطبيعيّة، على القمّة.
من على قمّة جبل مجدك: ابقَ مارون لنا شفيعًا ملء الزّمان.
نبض