الشوق الإلهي في سيرة بشر الحافي

منبر 06-02-2026 | 10:25

الشوق الإلهي في سيرة بشر الحافي

لم يكن بشر الحافي رجلَ وعظٍ ولا صاحبَ مدرسةٍ تُدرَّس، بل كان حكايةً حيّة عن التحوّل، وصورةً نادرة عن انقلاب الروح حين يلمسها النداء الإلهي من عمق الغفلة. 
الشوق الإلهي في سيرة بشر الحافي
الصورة من الانترنت
Smaller Bigger

د. نضال العنداري

لم يكن بشر الحافي رجلَ وعظٍ ولا صاحبَ مدرسةٍ تُدرَّس، بل كان حكايةً حيّة عن التحوّل، وصورةً نادرة عن انقلاب الروح حين يلمسها النداء الإلهي من عمق الغفلة. في سيرته يتجلّى الشوق لا بوصفه ثمرة عبادة طويلة، بل كصاعقةٍ نزلت على قلبٍ كان غارقًا في اللهو، فحوّلت التيه إلى يقظة، والضياع إلى طريق، والإنسان إلى مرآةٍ صافية تعكس نور الحق. كان بشر مثالًا على أن الشوق لا يولد دائمًا من الزهد، بل قد يولد من السقوط، وأن الله يختار قلوبًا مكسورة ليُقيم فيها ملكوته.
لم يبدأ بشر حياته زاهدًا ولا ناسكًا، بل عاش في غمرة الدنيا، يخوض لذّاتها ويغفل عن نهايتها، حتى جاءت اللحظة التي انشقّ فيها وعيه فجأة، حين سمع اسم الله يُذكر في موضع لا يليق به. لم تكن تلك اللحظة مجرد توبة، بل كانت انكسارًا وجوديًا، لحظة انقلب فيها ميزان الرؤية، فرأى نفسه لأول مرة كما هي: بعيدة، عارية، محجوبة. ومن تلك اللحظة وُلد الشوق، لا بوصفه حنينًا عاطفيًا، بل بوصفه نارًا تطهّر ما تراكم من غفلة، وتفتح طريق الرجوع.

 

 

كان الشوق عند بشر الحافي شوقَ التائب الذي عرف مرارة البعد، فصار قربه شغفًا لا يُحتمل. لم يكن يعبد الله طمعًا في الثواب، ولا خوفًا من العقاب، بل حياءً من كرمٍ سابق، ووفاءً لنداءٍ سمعه ولم يستطع نسيانه. لقد رأى في نفسه عبدًا أُكرم بالالتفات الإلهي بعد غفلة، فصار الشوق عنده شكرًا دائمًا، وخجلًا لا ينتهي، وسيرًا متواصلًا نحو باب لا يُغلق.
ومن شدّة هذا الشوق، اختار بشر طريق الفقر والزهد، لا هروبًا من الدنيا، بل وفاءً لعهد داخلي قطعه على نفسه أن لا يعود إلى ما أبعده عن الله. فصار يمشي حافيًا، لا لأنه يعادي النعل، بل لأن الأرض التي مشى عليها اسم الله لا تستحق أن تُداس إلا بتواضع. لقد تحوّل المشي الحافي عنده إلى رمزٍ لسير القلب بلا حواجز، ولوقوف الإنسان عاريًا أمام ربه بلا ادعاء ولا قناع.
كان شوقه شوقَ الخائف المحب، لا شوق المتدلّل. لم يكن يأنس بالحديث عن المقامات، ولا يطمئن إلى الثناء، بل كان يرى في كل مدح فتنة، وفي كل إشادة حجابًا. لقد فهم أن أعظم خطر على السالك هو أن يرى نفسه سالكًا. لذلك آثر الخمول، وفضّل الخفاء، واختار أن يكون في هامش الناس، حيث لا يُرى إلا الله. وكان يقول، بلسان حاله، إن من عرف الله استحيا أن يراه غيره.
في تجربة بشر الحافي، يتجلّى الشوق بوصفه انكسارًا دائمًا، لا نشوة ولا صخب فيه. لم يعرف حالات الطرب الصوفي، ولا صيحات الوجد، بل عرف الصمت الطويل، والبكاء الخفي، والمحاسبة التي لا تنام. كان يرى أن الطريق إلى الله لا يُقطع بالخطوات الكبيرة، بل بالثبات، وبالوفاء لأدقّ ما في القلب من نية. فالشوق عنده ليس اندفاعًا، بل ملازمة؛ ليس اشتعالًا لحظيًا، بل نارًا صامتة لا تنطفئ.
وقد بلغ من صدقه أن صار وجوده كله تذكرة للآخرين. لم يحتج إلى خطب ولا كتب، لأن حاله كان أبلغ من المقال. كان الناس إذا رأوه تذكّروا الله، وإذا سمعوا اسمه خشعت قلوبهم، لأنه عاش ما يقول، لا ما يقول الناس عنه. وهكذا صار الشوق في سيرته دعوة صامتة، لا تُقنع بالعقل بل تُوقظ الضمير.
ولم يكن شوق بشر الحافي هروبًا من العالم، بل انكشافًا لحقيقته. رأى أن الدنيا لا تُترك لأنها سيئة، بل لأنها زائلة، وأن التعلّق بها يثقل القلب عن الطيران. فاختار الخفّة، لا الزهد الجاف، بل الزهد الذي يُنقّي ويُصفّي ويُبقي القلب مستعدًا للقاء. كان يعرف أن من امتلأ قلبه بالله لم يعد بحاجة إلى شيء، وأن الغنى الحقيقي هو في الاستغناء عن كل ما سوى الله.
وهكذا، تحوّلت حياة بشر الحافي إلى سيرة صامتة من الشوق العميق، شوق لا يطلب الظهور ولا يسعى إلى البيان، بل يعيش في الداخل، حيث تتلاقى الدموع بالدعاء، ويذوب الإنسان في حضرة من أحب. لقد علّمنا أن الطريق إلى الله لا يبدأ من الكمال، بل من الصدق، وأن أعظم القربات قد تولد من أعمق السقطات، إذا ما لامس القلبَ نورُ التوبة الصادقة.
وبقي بشر الحافي شاهدًا على أن الشوق الإلهي ليس مقامًا خاصًا بالأولياء، بل إمكانية مفتوحة لكل من صدق في طلبه، وخلع نعليه عند باب الحقيقة، ودخل حافيًا إلى حضرة لا يُسمح فيها إلا للقلوب العارية من كل ما سوى الله.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 2/4/2026 11:17:00 PM
أحمد القذافي ينشر رواية اغتيال سيف الإسلام ويطالب بتحقيق شفاف
اقتصاد وأعمال 2/5/2026 10:51:00 AM
خطوة رقمية جديدة تدخل باصات النقل المشترك في لبنان، و"النهار" تشرح تفاصيل "غوغل ترانزيت" وتأثيره على التنقّل اليومي
اقتصاد وأعمال 2/5/2026 12:00:00 PM
عطية: شركة طيران الشرق الأوسط لا تبدي رغبة فعلية في تشغيل المطار، لأسباب تتعلق بعدد الطائرات المتوافرة لديها أو بقدراتها التشغيلية