نافذة مكسورة… كفيلة بإرباك إدارة

منبر 06-02-2026 | 10:14

نافذة مكسورة… كفيلة بإرباك إدارة

الفوضى في الإدارة العامة لا تبدأ بأزمات أو قرارات مفاجئة. في معظم الأحيان، تبدأ بتفصيل صغير يكاد يكون غير مرئي: إجراء يُؤجَّل أو لا يُطبَّق، أو استثناءات تُمنَح «لمرّة فقط». نافذة مكسورة يعتاد الجميع وجودها، ولا يبدو أن هناك داعيًا لإصلاحها.
نافذة مكسورة… كفيلة بإرباك إدارة
تعبيرية (انترنت)
Smaller Bigger

حنين الحسنية - باحثة دكتوراه في الإدارة العامة وبناء المؤسسات

 

 

الفوضى في الإدارة العامة لا تبدأ بأزمات أو قرارات مفاجئة. في معظم الأحيان، تبدأ بتفصيل صغير يكاد يكون غير مرئي: إجراء يُؤجَّل أو لا يُطبَّق، أو استثناءات تُمنَح «لمرّة فقط». نافذة مكسورة يعتاد الجميع وجودها، ولا يبدو أن هناك داعيًا لإصلاحها.
يُعرف هذا المنطق في علم الإدارة والسلوك التنظيمي بـ«نظرية النافذة المكسورة». تقوم الفكرة على أن إهمال التفاصيل الصغيرة والمخالفات البسيطة من دون معالجة يُفقد المعايير أساسها، ويجعلها غير ملزمة. ومع الوقت، تتحوّل المخالفة إلى قاعدة لا استثناء.
في الإدارة العامة، لا تولد هذه الظاهرة فجأة، بل تسمح بيئة العمل لها بأن تتسلّل بهدوء فيتعايش معها الجميع. تأخير بسيط في إنجاز معاملة، تجاوز إجراء «لأن الوقت لا يسمح»، أو الصمت عن خلل مزمن «لأن لا أحد يريد المواجهة». هذه السلوكيات ليست سوى تعبير عن تراجع الإحساس بالمسؤولية، وضعف الانتماء والثقة في الإدارة، فيصبح الالتزام خيارًا لا واجبًا.
ما يجعل الأمر أسوأ ليس الخطأ بحدّ ذاته، بل الاعتياد على تكراره. حين تمرّ المخالفة الصغيرة بلا محاسبة أمام أعين الموظفين، يتضاءل دافع المبادرة، ويُستبدل منطق الالتزام بمنطق التكيّف. والنتيجة تحوّل الإدارة من هيكل تنظيمي إلى هيكل يتعايش مع الخلل والفوضى.

سلوك الأفراد هنا انعكاس مباشر لبيئة العمل. فالبيئة التي تتستّر على الفوضى، ولو كانت محدودة، وتتقاعس عن التصحيح، وتكافئ الصمت أكثر من الجرأة، تُنتج سلوكًا جماعيًا قائمًا على تجنّب المخاطرة. في مثل هذه البيئات، تُستنزف كفاءة الأفراد بصمت تدريجي.
مع مرور الوقت، ينعكس هذا الإهمال على الأداء العام للإدارة. تتآكل الأنظمة والمعايير، تتخبّط القرارات، وتفقد المؤسسة قدرتها على فرض قواعد واضحة؛ والأسوأ أن هذا الانهيار التدريجي لا يعود يُقابَل بالاعتراض أو الاستهجان، بل بالاعتياد. فالمؤسسة التي تُدار بالفوضى يصبح الصمت أحد أركان ثقافتها.
في الإدارة العامة خصوصًا، تفوق كلفة هذا الإهمال التوقّعات. فأي خلل صغير يتفشّى في داخل المؤسسة ينعكس سلبًا على جودة الخدمة العامة، ويُزعزع ثقة المواطن بمؤسسات الدولة. وحماية المعايير والتفاصيل اليومية ليست أقل شأنًا من النصوص والقوانين، بل هي جزء لا يتجزّأ منها.
المفارقة أن كثيرًا من الإصلاحات تفشل، لا لأنها خاطئة، بل لأن البيئة اعتادت تجاهل «النوافذ المكسورة». فالقوانين لا تعمل في فراغ، وأي تحديث يُطبَّق في مناخ فوضوي متراكم يكون محكومًا بالفشل.
الانتباه إلى التفاصيل الصغيرة وعدم التهاون معها يشكّلان نقطة الفصل في الإصلاح الإداري. فكل تفصيل هامشي أو خطأ صغير يُتغاضى عنه اليوم قد يتحوّل إلى خلل جسيم في المستقبل. والإدارة السليمة تبدأ حين لا يُترك أي خلل، مهما بدا بسيطًا، من دون معالجة.
في النهاية، لا تنهار الإدارات دفعة واحد، بل تتآكل بصمت، تفصيلًا بعد تفصيل…
نافذة بعد نافذة.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 10/7/2026 10:45:00 PM
تعود مؤرخة الفن ثريا نجيم لقيادة اللوفر أبوظبي بعدما أسهمت في تأسيس رؤيته وتطوير مقتنياته، حاملةً خبرة دولية في الفن الإسلامي وإدارة المجموعات والمعارض.
المشرق-العربي 10/7/2026 10:20:00 AM
نشرت كتائب القسام مشاهد موثّقة وغير منشورة سابقاً ليحيى السنوار، رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس، الذي قتل في 16 تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2024 خلال اشتباكات مع قوة من الجيش الإسرائيلي في جنوب قطاع غزة.
المشرق-العربي 10/8/2026 12:06:00 PM
واشنطن تفتح باب تسليح الجيش السوري، وإسرائيل تفرض خطوطها الحمر. هل تدفع صفقات السلاح دمشق إلى حروب جديدة من لبنان إلى اليمن؟ ومن يملك القرار العسكري؟
اسرائيليات 10/7/2026 10:54:00 PM
أعلن يحيئيل لايتر بدء تنفّس نجله نيريا من دون جهاز اصطناعي، بعد إصابته الخطرة في هجوم دهس الشهر الماضي، لكنه لم يستعد وعيه بالكامل.