نافذة مكسورة… كفيلة بإرباك إدارة
حنين الحسنية - باحثة دكتوراه في الإدارة العامة وبناء المؤسسات
الفوضى في الإدارة العامة لا تبدأ بأزمات أو قرارات مفاجئة. في معظم الأحيان، تبدأ بتفصيل صغير يكاد يكون غير مرئي: إجراء يُؤجَّل أو لا يُطبَّق، أو استثناءات تُمنَح «لمرّة فقط». نافذة مكسورة يعتاد الجميع وجودها، ولا يبدو أن هناك داعيًا لإصلاحها.
يُعرف هذا المنطق في علم الإدارة والسلوك التنظيمي بـ«نظرية النافذة المكسورة». تقوم الفكرة على أن إهمال التفاصيل الصغيرة والمخالفات البسيطة من دون معالجة يُفقد المعايير أساسها، ويجعلها غير ملزمة. ومع الوقت، تتحوّل المخالفة إلى قاعدة لا استثناء.
في الإدارة العامة، لا تولد هذه الظاهرة فجأة، بل تسمح بيئة العمل لها بأن تتسلّل بهدوء فيتعايش معها الجميع. تأخير بسيط في إنجاز معاملة، تجاوز إجراء «لأن الوقت لا يسمح»، أو الصمت عن خلل مزمن «لأن لا أحد يريد المواجهة». هذه السلوكيات ليست سوى تعبير عن تراجع الإحساس بالمسؤولية، وضعف الانتماء والثقة في الإدارة، فيصبح الالتزام خيارًا لا واجبًا.
ما يجعل الأمر أسوأ ليس الخطأ بحدّ ذاته، بل الاعتياد على تكراره. حين تمرّ المخالفة الصغيرة بلا محاسبة أمام أعين الموظفين، يتضاءل دافع المبادرة، ويُستبدل منطق الالتزام بمنطق التكيّف. والنتيجة تحوّل الإدارة من هيكل تنظيمي إلى هيكل يتعايش مع الخلل والفوضى.

سلوك الأفراد هنا انعكاس مباشر لبيئة العمل. فالبيئة التي تتستّر على الفوضى، ولو كانت محدودة، وتتقاعس عن التصحيح، وتكافئ الصمت أكثر من الجرأة، تُنتج سلوكًا جماعيًا قائمًا على تجنّب المخاطرة. في مثل هذه البيئات، تُستنزف كفاءة الأفراد بصمت تدريجي.
مع مرور الوقت، ينعكس هذا الإهمال على الأداء العام للإدارة. تتآكل الأنظمة والمعايير، تتخبّط القرارات، وتفقد المؤسسة قدرتها على فرض قواعد واضحة؛ والأسوأ أن هذا الانهيار التدريجي لا يعود يُقابَل بالاعتراض أو الاستهجان، بل بالاعتياد. فالمؤسسة التي تُدار بالفوضى يصبح الصمت أحد أركان ثقافتها.
في الإدارة العامة خصوصًا، تفوق كلفة هذا الإهمال التوقّعات. فأي خلل صغير يتفشّى في داخل المؤسسة ينعكس سلبًا على جودة الخدمة العامة، ويُزعزع ثقة المواطن بمؤسسات الدولة. وحماية المعايير والتفاصيل اليومية ليست أقل شأنًا من النصوص والقوانين، بل هي جزء لا يتجزّأ منها.
المفارقة أن كثيرًا من الإصلاحات تفشل، لا لأنها خاطئة، بل لأن البيئة اعتادت تجاهل «النوافذ المكسورة». فالقوانين لا تعمل في فراغ، وأي تحديث يُطبَّق في مناخ فوضوي متراكم يكون محكومًا بالفشل.
الانتباه إلى التفاصيل الصغيرة وعدم التهاون معها يشكّلان نقطة الفصل في الإصلاح الإداري. فكل تفصيل هامشي أو خطأ صغير يُتغاضى عنه اليوم قد يتحوّل إلى خلل جسيم في المستقبل. والإدارة السليمة تبدأ حين لا يُترك أي خلل، مهما بدا بسيطًا، من دون معالجة.
في النهاية، لا تنهار الإدارات دفعة واحد، بل تتآكل بصمت، تفصيلًا بعد تفصيل…
نافذة بعد نافذة.
نبض