فرنسا بين حلم الاستقلال الاستراتيجي وترنح المنظومة الغربية

منبر 05-02-2026 | 13:29

فرنسا بين حلم الاستقلال الاستراتيجي وترنح المنظومة الغربية

لم يُخف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رغبته في إعادة بلورة أفكار أسلافه التاريخية لتحقيق حلم الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي.
فرنسا بين حلم الاستقلال الاستراتيجي وترنح المنظومة الغربية
فرنسا (أ ف ب).
Smaller Bigger

حسين سعيد

 

ليست الرغبة الفرنسية في الخروج من تحت العباءة الأميركية وليدة الأحداث الآنية، ولا هي ظرفية محصورة في حدث سياسي عابر، إنما نشأت بعد الحرب الثانية، وأسست لثوابت عميقة في الفكر الاستراتيجي الفرنسي الذي يتعامل بتباين مع الكثير من حلفائه الاوروبيين، حيث تعتبر المنهجية الفرنسية العميقة أن التحالف الأطلسي ليس قدراً محتوماً، إنما شراكة فرضت على القارة الأوروبية إبان فترة توازن القوى أو ما عرف بالحرب الباردة بين العملاقين السوفياتي والاميركي، وبالتالي لا تشكل حصناً دائماً لمستقبل أمن القارة العجوز.

الخروج من الأطلسي ومعارضة الحرب العراقية
شكل قرار شارل ديغول، الرئيس التاريخي لفرنسا، في عام 1966 الانسحاب من المنظومة العسكرية لحلف "الناتو" لبنة أسست لثوابت عميقة، مفادها أن حماية فرنسا وأوروبا يجب ألا تبقى رهينة لقرار يرد ضمن بند في وثيقة الأمن القومي الأميركي.

ما كان الرئيس ديغول يريد استعداء الولايات المتحدة، بل كانت فيه نزعة إلى التحرر وبناء أمن ذاتي أوروبي ورفض التبعية، وسعي إلى تأسيس منظومة أوروبية عسكرية تختزن قوة ردع نووية تفضي إلى سيادة إستراتيجية.

ليس قرار ديغول ورغبته في الخروج يتيمين، إنما شهدنا مثلهما، وإن بطرق وأساليب مختلفة، في عام 2003 حين عارض الرئيس الفرنسي آنذاك جاك شيراك الحرب الأميركية - البريطانية على العراق. عندها كشف التباين الواضح وغير المسبوق عن حجم الهوة داخل المعسكر الغربي، وهذا تباين لم يقتصر على معارضة فرنسا للحرب وحدها، بل تجاوزها إلى مشروعية استخدام القوة، ما شكل نقطة تحوّل في حسابات الولاء والطاعة داخل أروقة التحالف الغربي.

إحياء ماكرون الخط الاستقلالي
لم يُخف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رغبته في إعادة بلورة أفكار أسلافه التاريخية لتحقيق حلم الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي. ففي أكثر من محفل، كرر دعوته لإنشاء قوة عسكرية أوروبية مستقلة بعيدة عن المظلة الاميركية.

ولا تنصب عزيمته هذه في ضرورة الشروع نحو الاستقلال الاستراتيجي ضمن رؤية نظرية أو خطابية، إذ واجهت فكراً أميركياً استعلائياً أوضح حدود الثقة داخل التحالف الغربي، فشهد بنفسه أزمة الغواصات في عام 2021 ضمن تحالف "أوكوس" بين الولايات المتحدة وأستراليا وبريطانيا. وكان ذلك مثالاً حياً ومدوياً رأت فيه باريس "طعنة في ظهرها"، واستخفافاً بمصالحها الاستراتيجية، كما لمست هشاشة تكافؤ التحالفات داخل المعسكر الغربي، ما عزز قناعة فرنسا وأكد صوابية آمالها لبناء قوة أوروبية ذاتية رادعة ومستقلة، بعيداً عن تقلبات القرار الاميركي.

لا يريد الرئيس الفرنسي من دعوته تحدي الإرادة الأميركية، إنما هدفه دقّ ناقوس الخطر عند حلفائه. فالشراكة مع واشنطن غير متكافئة وغير متوازنة، وباتت تشكل طوقاً يُبقي أوروبا رهينةً للبيت الأبيض.

دافوس وبنية التحالف 
كشف المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس جوهر العلاقة المترنحة داخل المنظومة الغربية. فقد رأى العالم الطريقة الفوقية والمتعالية التي استعملها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، سواء من حيث اللغة أو المضمون، اتجاه أوروبا ما أوقع زعماء القارة العجوز في حرج شديد، خصوصاً فرنسا التي تميزت في المنتدى عن نظرائها الأوروبيين. فقد وجد فيه ماكرون فرصة لاغتنام اللحظة كي يعيد طرح فكرة الخروج من التبعية، عازماً الدعوة لبناء قوة عسكرية أوروبية.

تعيش فرنسا اليوم على وقع انعطافة تاريخية في التحولات الجيوسياسية على الساحة العالمية لجهة تحقيق حلمها بالتخلص من الطوق الأميركي. فهي ترفع راية السيادة، فيما يقيد الواقع هذا الحلم بحجة بنية التحالفات. وما رآه العالم وسمعه في دافوس شكل إهانة واضحة لأوروبا. والأهم أنه تم تذكيرها بموقعها في حسابات موازين القوى الدولية.

بين الطموح والواقع
بين الأحلام التاريخية بالاستقلال الاستراتيجي والواقع الجيوسياسي الذي يعيق التحرر من التحالفات، يبقى الحلم الفرنسي أمراً مشروعاً أكثر منه هدفاً محسوماً. ناهيك بالخلاف داخل الدول الاوروبية نفسها، فعواصمها تميل إلى واشنطن أكثر مما تميل إلى باريس، لا سيما دول أوروبا الشرقية التي ترى في أحضان واشنطن ضماناً لاستمرارية وجودها في مواجهة الدبّ الروسي، إضافة إلى حاجتها للقدرات التكنولوجية الاميركية الهائلة، عدا عن الخلل في أصل البنية التحالفية غير المتكافئة.

ربما تكون فرنسا أول من يجرؤ على طرح فكرة الاستقلال الاستراتيجي، لكنها لا تملك مقومات تنفيذه إلى حقيقة، وهذا ما يفرض على باريس لتحقيق حلمها هذا انتظار الظرف الملائم للحظة التصدّع في أساسات النظام العالمي، لأن الأمر يتعلق بأكثر من مجرد قرار سياسي. 

 

فرنسا (أ ف ب).
فرنسا (أ ف ب).

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 2/3/2026 8:35:00 PM
غموض يلف مصير سيف الإسلام القذافي وسط تضارب الأنباء في الزنتان
شمال إفريقيا 2/3/2026 9:44:00 PM
وُلد سيف الإسلام في طرابلس عام 1972، وهو الابن الأكبر للعقيد الليبي الراحل معمر القذافي من زوجته الثانية صفية فركاش
شمال إفريقيا 2/4/2026 11:17:00 PM
أحمد القذافي ينشر رواية اغتيال سيف الإسلام ويطالب بتحقيق شفاف
Fact Check 2/3/2026 2:15:00 PM
The shocking image circulating online actually shows Abramović at a 2013 New York charity event—what looked like “human flesh” is a performance art piece, not a crime.