دول العالم تتحرك لحماية الأطفال: قيود صارمة على وسائل التواصل الاجتماعي
سمر ضو
يقضي العديد من الأطفال ساعات طويلة في المنزل وهم يتصفحون التطبيقات، وغالبًا ما يكونون غير مدركين للمخاطر الحقيقية مثل الإدمان الرقمي، والتعرض للمحتوى الضار، أو التسويق الموجه لهم.
أما في الصفوف الدراسية، فيلاحظ المعلمون أن الطلاب غالبًا ما يكونون متعبين أو مشتتي الذهن نتيجة الإفراط في استخدام الأجهزة، ما يقلل قدرتهم على التركيز والاستيعاب.
هذه الأمثلة اليومية تجعل مهمة حماية الأطفال على الإنترنت تحديًا متواصلًا، يتطلب تعاون الأهل والمدرسة والدولة معًا، إضافة إلى غرس ثقافة الوعي الرقمي منذ الصغر.
الخطوات التشريعية حول العالم
وفي هذا الإطار، أقر البرلمان الفرنسي في 26 كانون الثاني 2026 مشروع قانون يحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن 15 عاماً، في خطوة أشاد بها الرئيس إيمانويل ماكرون باعتبارها وسيلة لحماية الأطفال من الإفراط في قضاء الوقت أمام الشاشات.

والتشريع الذي ينص أيضا على حظر الهواتف المحمولة في المدارس الثانوية، يجعل من فرنسا ثاني دولة تخطو مثل هذه الخطوة بعد أستراليا التي منعت في كانون الأول 2025 من هم دون سن 16 عاما من استخدام وسائل التواصل.
ولكن هذا التوجه لا يقتصر على فرنسا وأستراليا، إذ أعلنت ماليزيا حظراً مرتقباً لمنصات التواصل الاجتماعي لمن هم دون 16 عامًا اعتباراً من 2026، في حين تدرس دول مثل ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا واليونان قيوداً قانونية صارمة على استخدام القاصرين الهواتف الذكية والتطبيقات الرقمية، متأثرة بالمخاوف المتزايدة من تداعيات الإدمان الرقمي.
وفي الإطار نفسه، أعلنت الحكومة البريطانية أنها ستدرس حظر استخدام المراهقين الصغار لوسائل التواصل الاجتماعي، مع تشديد القوانين المصممة لحماية الأطفال من المحتوى الضار والإفراط في استخدام الشاشات.
مبادرات اليونيسف والمنظمات الدولية
وتظهر بيانات منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) في تقري "رفاهية الأطفال في عالم رقمي 2025" أن 56% من الأطفال يعتبرون الإنترنت وسيلة مهمة للتواصل مع أصدقائهم، مقارنة بـ50% في عام 2023، ما يشير إلى ازدياد الاعتماد الرقمي على العلاقات الاجتماعية.
واوضح التقرير أن% 24 من الأطفال المعرضين للخطر أفادوا بأنهم تعرضوا لتجارب مزعجة، بارتفاع كبير عن 10% في العام السابق، كما أشار الى أن% 77 من الأطفال يشعرون بالأمان عند استخدام الإنترنت، انخفاضًا من 81% في العام الماضي.
وأشارت اليونسكو إلى أن الاستخدام المكثف للشاشات يرتبط بارتفاع معدلات القلق والاكتئاب وضعف التركيز لدى الأطفال والمراهقين، مع تسجيل استخدام يومي للشاشات لدى الغالبية العظمى من الأطفال في سن مبكرة جدًا.
بدورها قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) إنها تعمل على جعل الإنترنت بيئة آمنة للأطفال، من خلال التعاون مع الحكومات لتشريع القوانين المناسبة، ومع شركات التكنولوجيا لتعزيز إجراءات السلامة .
من ناحيتها، تقول منصات التواصل الاجتماعي، بما في ذلك TikTok وFacebook وSnapchat، إن الأشخاص يجب أن يكونوا في سن 13 عامًا على الأقل للتسجيل.
ومع ذلك، يقول المدافعون عن حماية الطفل إن الضوابط غير كافية، وتظهر البيانات الرسمية في العديد من الدول الأوروبية أعدادًا هائلة من الأطفال دون سن 13 عامًا لديهم حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي.
هذه القوانين الجديدة تستند إلى مخاوف متزايدة تتعلق بصحة الأطفال النفسية والاجتماعية؛ حيث تشير دراسات متعددة إلى أن الاستخدام المكثف لوسائل التواصل يمكن أن يقود إلى تشتت الانتباه، القلق، والاكتئاب لدى الفئات العمرية الصغيرة. كما يرى بعض الساسة أن حماية القُصّر من الإعلانات الموجهة والمحتوى غير الملائم تفرض تدخلًا تشريعيًا وليس تركه فقط لأولياء الأمور والمنصات التقنية.
في المقابل، بقي العالم العربي في مرحلة متباينة من التعامل مع تشريعات تنظيم استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي، مقارنة بالدول الأوروبية التي بدأت بسنّ قوانين واضحة ومُلزمة. ففي حين اتجهت بعض الدول العربية إلى مناقشة مشاريع قوانين أو إطلاق مبادرات تنظيمية، لا تزال الغالبية تعتمد على التوعية العامة أو المسؤولية الأسرية، دون إطار قانوني صارم يحدد السن، أو آليات الرقابة والتنفيذ.
ومع تزايد استخدام الأطفال وسائل التواصل الاجتماعي والألعاب الرقمية، يصبح من الضروري التحرك سريعًا لحمايتهم من المخاطر النفسية والاجتماعية والرقمية. ويجب أن تكون المسؤولية مشتركة بين الأسرة، المدرسة، والمنصات الرقمية، والدولة، لضمان بيئة رقمية آمنة وواعية.
نبض