د. عباس حسن وهبي*
ليست قوانين الإيجارات مجرد تنظيمٍ تقني لعلاقة بين مالكٍ ومستأجر، بل هي أداة لضبط المجتمع والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية. فالقانون يجب أن يعكس روح التضامن، ويمنع تحوّل الملكية إلى وسيلة هيمنة أو استغلال. ترك السكن والأسواق التجارية لسطوة العرض والطلب وحده مأساة تؤدي إلى تهجير جماعي، وإعادة إنتاج الفقر، وانفجارات اجتماعية. لذلك، كان دور الدولة دائماً حماية المستأجر من الطرد التعسفي، وضبط زيادات الإيجار، ومراعاة الوضع الاجتماعي والمعيشي، وتحقيق التوازن الإنساني بين الطرفين.
وفي الأماكن غير السكنية، نحن أمام نشاط اقتصادي واستثماري يتجاوز العلاقة الفردية بين مالك ومستأجر. هنا تبرز الحاجة إلى حماية الملكية التجارية وسمعة المحل، وإعطاء المستأجر حق الاستمرار والتعويض عند الإخلاء، مع مراعاة الاستثمارات التي ضخّها في المكان. الهدف هو حماية الدورة الاقتصادية الوطنية وضمان استقرار الأسواق التقليدية التي تشكّل العمود الفقري للاقتصاد المحلي.
لكن ما صدر من تشريعات أخيراً، ولا سيما القانون 11/25 وتعديلاته ( قانون عقوبات )، جاء ليخدم مصالح الشركات العقارية الكبرى والفئات النافذة، فأحدث شرخاً عميقاً بين المالكين والمستأجرين. بدلاً من تحقيق الإنصاف وإعطاء البدل العادل للمالكين، جعل المستأجرين تحت رحمة استبداد المالكين الكبار الذين اشتروا العقارات القديمة بأبخس الأثمان، ثم بدأوا يتنمّرون على المستأجرين ويهددون الأسواق التقليدية بالإقفال والنزوح. وهذا ما يذكّرنا بقول عبد الرحمن الكواكبي: "أحقر أساليب الاستبداد هي جعل الذل مفتاح الرزق". فالتطوير الاقتصادي لا يتم بالتهجير ولا بمجزرة إقفال المؤسسات التجارية والحرفية والصيدليات ومكاتب المهن الحرة التي دفعت جنى العمر كضمانة للاستمرار.
واليوم، المستأجرون تحت مطرقة التخمينات الجائرة وسندان التشريعات غير المبرمجة، التي ستجبر الأغلبية على ترك محالهم منذ العام الثاني بسبب المبالغات في تحديد بدل الإيجار. لقد تجاهلت هذه القوانين حق الديمومة والخلو، وفرضت بدلات خيالية، فيما العدالة تقتضي أن يكون بدل المثل بنسبة لا تتجاوز 1.5%. النتيجة كانت صدمة جماعية وتهديداً مباشراً لنحو 190 ألف مستأجر في الأماكن غير السكنية، فضلاً عن أزمة السكن. لقد زادت الكلفة التشغيلية المرتفعة أصلاً، ولا سيّما للمؤسسات ذات الربح المحدود كالصيدليات والمحطات، فجاء القانون ليزيد الطين بلّة. والأسوأ أنّه لم يصدر أي قانون يحفظ حق المستأجرين في المباني والمحلات التي تهدّمت جراء العدوان الصهيوني، وكأنّ حقوقهم قابلة للمصادرة. و حدّث بلا حرج عن زيادات كلفة الأماكن من مدارس ووزارات ومخافر وغيرها والتي تستأجرها الدولة العليّة في موازنتها والتي بلغت ملايين الدولارات، في وقتٍ تشهد فيه البلاد انتفاضات العسكريين المتقاعدين والأساتذة وموظفي المؤسسات الرسمية المطالبين بزيادة رواتبهم المحقة !
وعلى مستوى السكن، نحن أمام دراما لبنانية ستعصف بالبلاد في شهر شباط إذا لم تُقرّ تعديلات عاجلة تعالج الخطر الداهم الذي يواجه عشرات آلاف المستأجرين القدامى من ذوي الدخل المحدود، وغالبيتهم من كبار السن الذين لا يملكون أي بديل. هؤلاء مهددون بخسارة السقف الذي يحميهم، في ظل قانون أنهكهم منذ صدوره، وما زال مبتوراً حتى اليوم، إذ وضع فئة هشّة تحت رحمة التهديد والتهويل من قبل المؤجرين، وسط غموض يكتنف القانون وعدم دخول الصندوق حيّز التنفيذ، وعدم بدء اللجان بشكل رسمي، واستنسابية في التعاطي مع المواطنين دون أسس واضحة. فقانون الإيجارات رقم 2/2017 حدّد مهلاً زمنية، من دون أن يؤمن بديلاً سكنيًا أو حماية فعلية للفئات الأكثر هشاشة.
لذلك، نرى ضرورة تبنّي تعديلات عاجلة تضمن بقاء المستأجرين القدامى من ذوي الدخل المحدود في المآجير بعد انقضاء المهل، مقابل بدلات مقبولة، إلى حين تأمين حلول سكنية عادلة ضمن الاستراتيجية الوطنية. أمّا فيما خصّ الإيجارات الحرّة، فالمطلوب إيجاد بعض الضوابط التي تمنع الاستغلال وتحفظ التوازن. إنّ المستأجرين لن يرضخوا لهذا الجور ولن يقبلوا بهذه المؤامرة – المهزلة التي تهدف إلى تهجيرهم من السكن والأسواق. ومن هنا، نناشد الرؤساء الثلاثة العمل على تعديل قوانين الإيجارات السكنية وغير السكنية، ورفع هذا الضيم، وإعادة التوازن بين المالك والمستأجر، حمايةً للنسيج الاجتماعي والاقتصاد الوطني.
* كاتب وباحث لبناني
ملاحظة: الآراء الواردة في المقالة أعلاه تعبر عن كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن "صحيفة النهار" أو موقعها الإلكتروني
نبض