ما بين الجدران والأجسام… ماذا يفعل الـWi-Fi فعلاً؟
سارة نجم
في زمنٍ أصبحت فيه التكنولوجيا جزءاً من تفاصيل حياتنا اليومية، يعيش الـWi-Fi معنا في كل زاوية من المنزل. نراه ضيفاً غير مرئي، لكنه حاضر بقوة من خلال موجاته التي تعبر الجدران بسلاسة كأنها غير موجودة. وهنا يبدأ السؤال الذي يثير الفضول: إذا كانت هذه الموجات قادرة على اختراق الحيطان، فهل تمرّ عبر أجسامنا بالسهولة نفسها؟ وإن كانت كذلك، فهل يمكن أن تؤثّر على طاقتنا أو راحتنا من دون أن نتنبه؟
كثيرون لا يعيرون هذه التفاصيل أي اهتمام، وآخرون يكتفون بالاعتماد على التطمينات العلمية. لكن البعض يتوقف لحظة ويسأل:هل يمكن لموجات محيطة بنا طوال اليوم، مهما كانت ضعيفة، أن تغيّر شيئاً في مزاجنا أو نومنا أو إحساسنا بالتعب؟ ولماذا نرتاح أحياناً عندما نطفئ "الراوتر" ليلاً؟ وهل يشعر الأطفال أو الأشخاص الأكثر حساسية بتأثيرٍ لا نلاحظه نحن؟

هذه الأسئلة قد تبدو بسيطة، لكنها تسلّط الضوء على علاقة غير واضحة بين عالم الموجات اللاسلكية وعالم الإنسان. وهنا يأتي دور العلم ليقدّم جزءاً من الصورة، ليس كلها، لكن ما هو معروف حتى الآن.
فالدراسات العلمية التي تناولت موجات الـWi-Fi تشير إلى أن مستويات الإشعاع داخل المنازل مخفوضة جداً مقارنة بالحدود الدولية التي وضعتها منظمات عالمية مثل منظمة الصحة العالمية واللجنة الدولية للحماية من الإشعاع. ووفقاً لهذه الجهات، لا يُتوقّع أن يؤدّي التعرض العادي للـWi-Fi إلى آثار صحية مثبتة.
ومع ذلك، تبقى المساحة الرمادية موجودة. فقد صنّفت وكالة أبحاث السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية الإشعاعات اللاسلكية في عام 2011 ضمن الفئة "2B"، أي "قد تكون مسرطنة". هذا التصنيف احترازي، وهو يعتمد بشكل أساسي على دراسات مرتبطة بالهواتف المحمولة أكثر من شبكات الـWi-Fi المنزلية، لكنه يُظهر أن الموضوع لم يُغلق نهائياً أمام الباحثين.
كما أن بعض الدراسات الصغيرة بحث في تأثيرات محتملة مثل اضطرابات النوم أو الصداع أو الشعور بالخمول. إلا أن نتائجها متناقضة، وغالباً لا تُعاد بنجاح في تجارب أكثر دقة. أما الأشخاص الذين يُبلغون عن حساسية حيال الموجات، فاختبارات كثيرة لم تثبت حتى الآن وجود تأثير مباشر للموجات المخفوضة الشدة، رغم أن الأعراض التي يشعرون بها حقيقية وتستحق الاهتمام.
في النهاية، يبقى المشهد مفتوحاً بين ما هو مؤكد علمياً وما هو مثير للتساؤل إنسانياً. فالعلم يقول إن التعرض اليومي للـWi-Fi لا يشكل خطراً واضحاً، لكنه في الوقت نفسه يترك الباب مفتوحاً لأسئلة جديدة ودراسات أعمق. فإذا كانت الموجات تتسلّل حولنا بلا صوتٍ ولا لون، فهل يمكن أن تكون هناك طبقة كاملة من التأثيرات التي لم نتنبه إليها بعد… أم أن الإنسان اعتاد العيش وسط ما لا يراه الى درجة أنه لم يعد يسأل عمّا يدور في الخلفية؟
نبض