سلامة الموعد: الموازنة في ميزان الدستور

منبر 04-02-2026 | 11:48

سلامة الموعد: الموازنة في ميزان الدستور

في الدول التي تستقيم فيها الحياة الدستورية، لا يُقاس الحكم ببرنامجه وحده، ولا تُختزل السياسة بخياراتها الظرفية، بل يُختبر انتظام الدولة في التزامها بمواعيدها الدستورية.
سلامة الموعد: الموازنة في ميزان الدستور
تعبيرية (انترنت)
Smaller Bigger

      المحامي ربيع حنا طنوس 



في الدول التي تستقيم فيها الحياة الدستورية، لا يُقاس الحكم ببرنامجه وحده، ولا تُختزل السياسة بخياراتها الظرفية، بل يُختبر انتظام الدولة في التزامها بمواعيدها الدستورية. فالسلطة التي تُحسن القرار ولا تلتزم الزمن تُفرغ قرارها من معناه، لأن الدستور لا يحكم بالمضمون فقط، بل بالإطار الذي يولد فيه هذا المضمون. ومن هنا، يصبح الزمن الدستوري معياراً أساسياً للشرعية، وميزاناً دقيقاً تُقاس به جدّية الحكم قبل نتائجه.
ضمن هذا الإطار، تكتسب الموازنة العامة بعداً يتجاوز كونها قانوناً مالياً سنوياً. لتغدو أداة سياسية ودستورية في آن، تعكس علاقة الدولة بالمال العام وتضع السلطة التنفيذية تحت رقابة البرلمان. ولذلك ربط الدستور اللبناني الموازنة بدورة زمنية محددة، إذ تؤكد المادة 32 منه على انتظام عمل السلطة ضمن مهل واضحة، وتضمن أن تتم مناقشة الموازنة وإقرارها ضمن الإطار الزمني الذي يمنحها مشروعيتها. وتتكامل هذه المادة مع المادتين 83 و86 منه، حيث تشدد الأولى على تقديم مشروع الموازنة في بداية تشرين الأول، فيما تحصر الثانية الصرف خارج الموازنة باستثناء مؤقت ومشروط، تأكيداً على أن الأصل هو سلامة الموعد والاستثناء لا يبنى عليه.

انطلاقاً من ذلك، تخضع الموازنة لأصول شكلية متدرّجة تشكّل حياتها الدستورية السليمة. تبدأ هذه الحياة داخل السلطة التنفيذية، حيث تُعدّ تقديرات النفقات والإيرادات، وتوحَّد في وزارة المالية، ثم تُقرّ في مجلس الوزراء، لتتحمل الحكومة مسؤوليتها السياسية عنها. بعدها تُحال الموازنة الى مجلس النواب ضمن المهل الدستورية، فتدخل حيّز الرقابة البرلمانية المسبقة، حيث تناقش وتُعدّل وتُقرّ قبل بدء السنة المالية. هذا التدرج لا يُشكّل إجراءً تنظيمياً فحسب، بل يؤسس لمسار دستوري متكامل يحفظ توازن السلطات ويمنع تحوّل الإنفاق إلى أمر واقع خارج الرقابة.
غير أن الموازنة التي تُقرّ خارج موعدها تفقد وظيفتها الدستورية الأساسية، إذ يتحوّل النقاش في بنودها إلى مراجعة لاحقة لإنفاق سبق القانون، ويغدو الاستثناء قاعدة، بما يضعف انتظام المالية العامة ويقوّض ثقة المواطن بمؤسسات الدولة. عندها، لا يكون الخلل في الحساب وحده. بل في اختلال الزمن الدستوري الذي يُفترض أن يسبق القرار المالي ويضبطه.
ويزداد هذا النقاش راهنية مع إقرار الموازنة في الأسبوع الفائت، بما أعاد طرح السؤال الجوهري حول توقيت التشريع المالي وحدوده الدستورية. فالإقرار مهما بلغت دقة بنوده أو حسنت نواياه، لا يستعيد بذاته سلامة المسار إذا جاء خارج زمنه الطبيعي وهنا يتقدّم ميزان الدستور على منطق اللحظة، ليؤكد أن انتظام المالية العامة لا يُقاس بلحظة الإقرا، بل بمدى احترام الدورة الزمنية التي أرادها الدستور شرطاً للرقابة والشرعية.  
أوّل الغيث في الدول الديمقراطية لا يكون في وفرة الموارد ولا في براعة الأرقام، بل في سلامة الموعد. فمن احترام الزمن الدستوري تبدأ شرعية الموارنة، ويستقيم دور البرلمان، ويُصان توازن السلطة التنفيذية. أما حين يُهمَل الموعد، وتُستبدل الرقابة المسبقة بتسويات لاحقة، فإن الخلل لا يصيب المالية فحسب، بل يطال معنى الشرعية ذاته.
وهنا تبرز الإشكالية: هل أزمة الموازنة هي أزمة أرقام وسياسات، أم ازمة علاقة الدولة بدستورها وزمنه؟ وهل يكفي تصويب الأرقام لتعويض اختلال الموعد، أم أن احترام الزمن الدستوري هو الشرط الأول الذي لا غنى عنه لاستعادة انتظام الحكم؟ في هذا الميزان، لا يكون الدستور نصاً يُستشهد به، بل قاعدة يُختَبر عليها، ويكون الزمن قبل أي حساب، هو الحكم.

                                                                                                                                                        
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 2/3/2026 8:35:00 PM
غموض يلف مصير سيف الإسلام القذافي وسط تضارب الأنباء في الزنتان
شمال إفريقيا 2/3/2026 9:44:00 PM
وُلد سيف الإسلام في طرابلس عام 1972، وهو الابن الأكبر للعقيد الليبي الراحل معمر القذافي من زوجته الثانية صفية فركاش
Fact Check 2/3/2026 2:15:00 PM
The shocking image circulating online actually shows Abramović at a 2013 New York charity event—what looked like “human flesh” is a performance art piece, not a crime.