لبنان: صرخة الجذور في وجه ريح العدمية... نحو "وعي جديد"
إلياس عيسى إلياس
لم يعد الصراع في لبنان اليوم مجرد نزاع على حصص سياسية أو حدود جغرافية. إنه، في جوهره، مواجهة وجودية شرسة حول "من نحن؟". نحن نعيش في عالم تقوده عولمة جامحة، لا تكتفي بفتح الأسواق، بل تحاول مسح الذاكرة. تريدنا "بشراً تجريديين"؛ كائنات بلا لون أو طعم، تتحرك في فضاء كوني واسع لكنها منقطعة عن الأرض، والبيت، وعتبة الدار.
أولاً: الأمة كفعل إرادة... تحدي "النحن" المشتتة
عندما نتأمل في نشأة لبنان، نرى نموذجاً يكسر القواعد. فإذا كان الفيلسوف الألماني "فيخته" يرى الشعوب صنيعة اختيارها للأرض، فإن تحدينا اللبناني اليوم يكمن في "تشرذم هذه الإرادة".

إن "رومانسية الجذور" وحدها لا تبني وطناً. الجذور التي لا تتحول إلى "مشروع مستقبلي" تيبس. نعم، ولد لبنان في "الملجأ" كفعل حرية، لكن "النحن" اللبنانية ليست معطىً جاهزاً نرتديه كالثياب؛ إنها عملية نحت يومية شاقة. تبدأ من حقيقة بسيطة: إن اختلافنا على تعريف الجذور هو، بحد ذاته، جوهر هويتنا التعددية.
ثانياَ: عبقرية التوازن... بين صلابة الجبل وحرية الميناء
لا يكتمل لبنان بالانكفاء على الجبل، ولا بالذوبان في البحر. لبنان هو تلك "الثنائية المبدعة": الجبل برمزية صلابته وعمقه التاريخي، والميناء برمزية انفتاحه ومخاطرته الفكرية.
الميناء بلا جبل؟ رمال متحركة تبتلع الهوية لصالح استهلاك عابر. سوق بلا روح.
والجبل بلا ميناء؟ يتحول إلى "غيتو" موحش، يغرقه صمت الانعزال وخوف "الآخر".
قوة اللبناني الحقيقية هي قدرته على حمل "رصانة الجبل" إلى "صخب الميناء". العولمة ليست قدراً محتوماً؛ فالميناء اللبناني الحديث يجب أن يستفيد من "الرقمية" ليربط جذورنا بالفضاء الكوني، فيتحول الاغتراب اللبناني إلى "أشرعة ممتدة" تحمي الأصل ولا تنفصل عنه.
ثالثاً: ما وراء الدولة "التجريدية"... نحو مواطنة متجذرة
يطرح البعض "الدولة المدنية" كقالب جاهز، متناسين أن الجماعات في لبنان ليست أرقاماً طائفية، بل كيانات سوسيولوجية منحت الفرد المعنى والحماية حين غابت الدولة. إن فرض "دولة الفرد الذرة" المنفصل عن تاريخه سيخلق فراغاً مخيفاً، يجعله هشاً أمام أي ريح عابرة للحدود.
نحتاج إلى "دولة المواطنة الحاضنة". دولة تحمي حريتي كفرد، وتحترم خصوصيتي كجزء من جماعة، دون أن تسمح للقبيلة بابتلاع المؤسسة. السيادة هنا تبدأ من وعي اللبناني بأنه ليس "رقماً في قطيع"، بل "شخصاً" يضفي لونه الخاص على اللوحة العامة.
رابعاً: السيادة كفعل مقاومة وانفتاح
في ظل تداعي المؤسسات، لا تعود السيادة مجرد جيش وحدود؛ تصبح "فعل مقاومة ثقافية". حماية الجذور تبدأ من "السيادة الجوانية". من هنا، من البيت والمدرسة والجامعة، حيث تُصان المعاني.
نحن مدعوون لمواجهة "ريح العدمية" بالثقة، لا بالخوف. علينا استخدام "ذكاء الميناء" لخدمة "رسالة الجبل". المقاومة الثقافية ليست خندقاً دفاعياً، بل هي "هجوم إبداعي"؛ تقديم النموذج اللبناني كإجابة للعالم عن كيفية التعايش بين الخصوصية والكونية.
خلاصة: الاستفتاء الدائم
وجود لبنان ليس صدفة جغرافية، بل هو "استفتاء يومي" على إرادة العيش معاً. هو عقلٌ يغامر في الميناء، وقلبٌ يطمئن في الجبل. السيادة ليست نصوصاً في الدساتير، بل هي قدرتنا على جعل "الجذور" قاعدة للانطلاق لا قيداً للتحرك.
لبنان لا يعيش إذا نسي نفسه، ولا يعيش إذا أغلق نوافذه. هو باقٍ ما دمنا نؤمن أن هويتنا هي "جسر" وليست "جداراً". فلا تتركوا ريح العدمية تقتلع شتلةً تعب في غرسها الأجداد، بل اجعلوها تزهر في كل ميناء يصله فكركم. فالجذور العميقة وحدها، هي التي تمنح الأغصان حق التحليق.
نبض