راتزل والجغرافيا السياسية المعاصرة: هل نشهد سايكس - بيكو جديداً؟

منبر 03-02-2026 | 16:20

راتزل والجغرافيا السياسية المعاصرة: هل نشهد سايكس - بيكو جديداً؟

تبرز أهمية إعادة قراءة فريديك راتزل، الذي يرى أن الدولة كائن حي، يحتاج لضمان بقائه وتطوره إلى مجال جغرافي حيوي، يتوسع أو ينكمش تبعاً لموازين القوة والموقع الجغرافي.
راتزل والجغرافيا السياسية المعاصرة: هل نشهد سايكس - بيكو جديداً؟
مشهد من الحرب الروسية - الأوكرانية (أ ف ب).
Smaller Bigger
حسين سعيد

 

تنبىء المتغيرات المتسارعة على الساحة الدولية، منذ مطلع العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، بتحولات جوهرية وعميقة في المبادىء التي قامت عليها أسس وقواعد النظام الدولي، والمنظمات المنبثقة عنه. 

يبدو أن هذه التحولات عكست ارتداداً واضحاً نحو فكر ساد في القرن التاسع عشر، حيث كانت القوة والجغرافيا السياسية في صميم الصراع العالمي، بعد عقود طويلة من ولادة نظام عالمي، خرج من رحم الحرب العالمية الثانية وما رافقها من اعتقاد بأن مؤسساته نجحت في كبح جماح القوة وتنظيم العلاقات الدولية وفق قواعد قانونية ملزمة.

جاءت الحرب الروسية على أوكرانيا، والحشود العسكرية الصينية حول تايوان، والانتهاك الصارخ لسيادة فنزويلا، والضغوط السياسية الأميركية المتزايدة لضم غرينلاند، لتمثل كلها مؤشرات دالة على استعادة الجغرافيا السياسية بوصفها أداة للهيمنة، وإعادة ترسيم المجال الحيوي للدول الكبرى، في تراجع واضح لدور الشرعية الدولية. 

في هذا السياق، تبرز أهمية إعادة قراءة فريديك راتزل، الذي يرى أن الدولة كائن حي يحتاج لضمان بقائه وتطوره الى مجال جغرافي حيوي، يتوسع أو ينكمش تبعاً لموازين القوة والموقع الجغرافي.

لكن المنهجية المعاصرة في استحضار هذا الفكر لم تقتصر على الإطار النظري أو التحليل الأكاديمي، بل تحولت إلى ممارسات سياسية وعسكرية تنتهجها الدول المتنافسة على النفوذ، غير آبهة بالقانون الدولي. وهذا يُثير السؤال الجوهري: هل نحن بصدد "سايكس – بيكو" عالمي جديد يُعاد فيه رسم الحدود ومناطق النفوذ بالقوة، ثم يسعى لشرعنتها في داخل أروقة النظام الدولي؟

تعدّ سيطرة روسيا على أجزاء واسعة من الأراضي الأوكرانية، بذريعة تأمين مجالها الحيوي وحماية أمنها القومي، مثالاً واضحاً على استنهاض "الفكر الراتزلي" في بعده العملي. والأمر الخطير في ذلك لا يكمن في فرض السيطرة فحسب، بل في محاولة تحويل هذا الواقع إلى شرعية قانونية.

في النموذج الفنزويلي، لم يتم التعدّي على السيادة بالضم العسكري المباشر، بل بعقوبات اقتصادية خانقة نجحت في تفريغ السيادة من مضمونها من دون الحاجة إلى تغيير خرائط أو اقتطاع أجزاء من الأرض. ثم توّج مسار العقوبات بعملية اختطاف رئيس البلاد في مشهد اعتبره بعض المفكّرين خنجراً في خاصرة القانون الدولي. 

لا يُنظر إلى غرينلاند بوصفها إقليماً تابعاً لدولة ذات سيادة (الدانمارك)، بل تحولت إلى قيمة استراتيجية وجيوسياسية تتنافس عليها القوى الكبرى، نظراً إلى موقعها الحيوي ومواردها الطبيعية ودورها المتنامي في التحكم بالممرات البحرية، التي قد تنكشف عند ذوبان الجليد. وهذا الطرح يعكس شكلاً جديداً يجعل من الجغرافيا الحيوية والغنية محط أطماع الدول العظمى، بعيداً عن أي مسوّغ قانوني يجيز ذلك.

تكشف هذه النماذج مجتمعة عن مسار دولي يُعيد الجغرافيا السياسية كأداة مركزية في إعادة ترتيب النظام العالمي، في تراجع واضح لمكانة القانون الدولي ومؤسساته.

لا يشهد العالم أزمات متفرقة، بل تحولاً بنيوياً يُعيد إنتاج منطق القوة وفلسفة المجال الحيوي، ويضع العالم أمام ديناميات تقسم العالم، وفق منطق القوة لا قوة القانون، بحيث ترسم فيها خرائط جيوسياسية ومجالات حيوية جديدة، وتكون مهمة النظام الدولي الوحيدة فيها إضفاء الشرعية عليها.

 

اعتقال مادورو.
اعتقال مادورو.

الأكثر قراءة

كتاب النهار 2/2/2026 5:27:00 AM
شبكة تجسّس رباعية شاركت في استدراج شكر ومن ثم نقله إلى الداخل الإسرائيلي!
اقتصاد وأعمال 2/2/2026 5:15:00 AM
الذهب كان قد سجّل مستوىً مرتفعاً غير مسبوق عند 5594.82 دولاراً يوم الخميس!
النهار تتحقق 2/2/2026 3:31:00 PM
كان ترامب وكلينتون يغطان في النوم. وقد تمدّدا على سرير، جنباً الى جنب.  
ترامب يشيد بـ"الوفيّ جدا" دان سكافينو خلال مشاركته حفل زفافه بمارالاغو