لقمان سليم... لقد خسروا… وأنت ربحت

منبر 03-02-2026 | 15:16

لقمان سليم... لقد خسروا… وأنت ربحت

في ذكرى اغتياله، لم يعد السؤال من قتل لقمان سليم أو لماذا قُتل لقمان سليم، بل لماذا كان خطراً إلى هذا الحد؟ 
لقمان سليم... لقد خسروا… وأنت ربحت
لقمان سليم (أ ف ب)
Smaller Bigger

اليسا الهاشم*

الرجل الذي غيّبه الرصاص، لكنه سجّل حضوره في وجدان اللبنانيين كواحد من أنبياء الحقيقة وشهادتها الصارخة. في كل مرة تتراجع فيها اليد الطولى لمنظومة القمع، وفي كل اهتزاز يصيب منظومة الخوف أو يقود نحو الوعي والانعتاق الوطني، يزداد اسمه وهجاً في ذاكرة لبنان، لا كذكرى مؤلمة فحسب، بل كنبراس أخلاقي للمستقبل.

في ذكرى اغتياله، لم يعد السؤال من قتل لقمان أو لماذا قُتل لقمان سليم؟ بل لماذا كان خطراً إلى هذا الحدّ؟ لقمان لم يكن مسلّحاً، ولا زعيماً جماهيرياً، ولا عنده حزب واتباع. كان أخطر من ذلك كلّه: كان يعلم.

كان يعلم كيف تُدار منظومة الخوف، كيف يُصنَع الإجماع القسري، وكيف تتحوّل "المقاومة" من فكرة إلى سلطة، ومن قضية إلى جهاز، ومن وعد إلى آلية ضبط وقمع. قالها بلا مواربة إن السلاح حين يخرج من الدولة لا يحمي المجتمع، بل يحكمه، وإن الخوف هو السلاح الأقوى، وكل ما عداه أدوات. ولهذا أخافهم، ولهذا السبب اغتالوه.

كان لقمان يعرف أن الأنظمة المبنية على الخوف لا تعيش إلى الأبد، وأن الميليشيا حين تتحول إلى سلطة تبدأ نهايتها، وأن اغتيال الجسد لا يقتل الفكرة بل يفضح ضعف القاتل. من فوق، لو شاهد ما يحدث اليوم، لما تفاجأ. فهو الذي كتب مبكراً عن التآكل البطيء، عن سقوط الأساطير لا بضربة واحدة بل بالإنهاك، عن لحظة يفقد فيها الخطاب قدرته على الإقناع مهما علا صوته. يرى لقمان من فوق نهاية مرحلة كاملة، حسن نصر الله، لا كشخص، بل كرمز، لم يعد، قُتل. الأسطورة التي قُدّمت بوصفها "فوق السؤال" انكسرت وانتهت. الخطاب الذي كان يُحرّك الجماهير بالخوف واليقين المطلق رحل معه، وعجز خليفته الشيخ نعيم قاسم عن استنساخه وتقمّص الشخصية. سقطت الهالة، وهذه هي حالة السقوط الحقيقي في منطق التاريخ. أما علي خامنئي فهو ليس فرداً أو نصفَ إله وقائد، بل عنوان منظومة تقوم على القمع، تصدير الأزمات، وإدارة المجتمعات بالخوف؛ لا تسقط فجأة لكنها تسقط حتمًا. ما نراه اليوم من تشققات داخلية، انفصال تام بين الشعب والنظام، عزلة، إنهاك اقتصاديّ وأخلاقي، هو ما كان لقمان يقصده حين قال: "القوة التي لا تُراجع نفسها تتحلل من الداخل".

حين أُطلق عليه الرصاص، كان لقمان قد أنهى مهمته الأخطر؛ فهو قال كلّ ما يجب قوله. قال إن الاغتيال سياسة العاجزين، وإن من يحتاج إلى القتل ليصمت خصومه لا يملك مشروعاً للحياة. اليوم يرى من فوق كيف أن منظومة الاغتيال التي أسكتت أصواتاً كثيرة بالرصاص والتحريض تتراجع، حاملةً أسئلة وجودية عن شرعيتها وقدرتها على الاستمرار. ليس لأن العدالة تحقّقت بعد، لم تتحقق، بل لأن المشروع نفسه فقد مبرره الأخلاقي والسياسي.

فخره الأكبر أن يعود شيعة لبنان إلى أنفسهم. لم يكن لقمان سليم يوماً ضد الشيعة، بل ضد اختطافهم. قالها بوضوح: "لا أقبل أن يُختصر الشيعة بحزب، ولا لبنان بسلاح". اليوم يرى ما كان يحلم به بصبر المثقف، لا بانفعال الثائر، يتحقق ببطء لكنه عميق في وعي شريحة من الشباب الشيعي اللبناني. شباب يرفضون أن تكون كرامتهم رهينة بندقية، يسألون عن الدولة، عن القانون، وعن لبنان. شباب يقولون: نحن شيعة، نعم، لكننا لبنانيون أولاً.

هذا الجيل لا يهتف كثيراً، لكنه يفكر. لا يواجه دائماً، لكنه لم يعد يصدّق. وهذا، في منطق الأنظمة المغلقة، أخطر من الهتاف. كان لقمان يحلم بقادة جدد، قادة لا تصنعهم الأجهزة ولا تفرضهم الأجندات، بل يولدون من المجتمع نفسه. اليوم، تتشكل هذه الملامح بوضوح، جيل الخوف القديم يتراجع، وجيل الشك يتّسع، وجيل القطيعة الواعية يبدأ بالظهور. هؤلاء هم المستقبل، وجوه شابة تفكّر، تتحرّك خارج منطق الخوف والمنفعة الضيقة، وتطرح السؤال الذي لطالما أُريد له أن يُدفن: لماذا نخشى الدولة؟ لماذا نخشى القانون؟ ولماذا نخشى أن نكون أصحاب وطن؟

مع اقتراب الانتخابات البرلمانية اللبنانية، تبدو الصورة معقّدة ومتوترة. حزب الله في ذروة التحضيرات، تحالفات مشكوك فيها، تعبئة، خدمات معطّلة بعد شحّ الكاش، وتحدّيات داخلية الإيقاع. الحزب يدرك أن المناخ تغيّر. الخوف لم يعد مطلقاً، والطاعة لم تعد بديهية. حتى حيث لا يوجد بديل انتخابي قوي، يوجد ما هو أخطر على المنظومة، وعي صامت، انسحاب نفسي، وتآكل الشرعية.

الأمل الحقيقي يكمن في استعادة الشباب الثقة بالعملية الديمقراطية، وتطور خطاب وطني إصلاحي حقيقي لا شعاراتي، وقدرة المجتمع المدني على التحول من شاهد إلى قوة ضغط فاعلة.

لقمان سليم لم يمت في الذاكرة، بل وُلد من جديد في الرغبة الجماهيرية، بالكرامة، والحق. كل ما كتبه عن التحرر من الهيمنة السياسية والمذهبية يلمع اليوم كحقيقة باردة لا يمكن إنكارها. من فوق يرى منظومة قمع تتراجع، وإن لم تسقط بعد، وشريحة شبابية تتجه نحو الوعي والتمرد على السلبية، وخطاباً وطنياً يستعيد مكانه وسط ضوضاء السياسة. أخافهم لأنه كان يعلم. قتلوه لأنهم ظنّوا أن المعرفة تُمحى.

من فوق، بلا شك، لقمان يبتسم. لقد خسروا… وأنت ربحت.

 

-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية. 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

كتاب النهار 2/2/2026 5:27:00 AM
شبكة تجسّس رباعية شاركت في استدراج شكر ومن ثم نقله إلى الداخل الإسرائيلي!
اقتصاد وأعمال 2/2/2026 5:15:00 AM
الذهب كان قد سجّل مستوىً مرتفعاً غير مسبوق عند 5594.82 دولاراً يوم الخميس!
النهار تتحقق 2/2/2026 3:31:00 PM
كان ترامب وكلينتون يغطان في النوم. وقد تمدّدا على سرير، جنباً الى جنب.  
ترامب يشيد بـ"الوفيّ جدا" دان سكافينو خلال مشاركته حفل زفافه بمارالاغو