تحوّلات الصراع وبناء المناعة الوطنية في لبنان "الأمن في عصر المعرفة: قراءة لبنانية"
حيدر الأمين
ملاحظة منهجية:
يقدّم هذا النص قراءة تحليلية واستراتيجية للتحولات في بيئة الصراع اللبنانية والإقليمية، ويركّز على دور الدولة والمعرفة والاقتصاد والتكنولوجيا في بناء الاستقرار الوطني. لا يهدف النص إلى توجيه أي جهة عملية، ولا إلى تبرير أو تشجيع استمرار العمل المسلح خارج المؤسسات الشرعية، بل يسعى إلى فتح نقاش عام حول مقاربات الأمن والدفاع في عالم متغيّر، حيث لم تعد القوة تُقاس بالوسائل التقليدية وحدها.
1. تحوّل طبيعة الصراع: من الميدان إلى المنظومة
شهدت الصراعات المعاصرة تحولات جوهرية في طبيعتها وأدواتها. فلم تعد المواجهات تُحسم بالقوة العسكرية المباشرة فقط، بل باتت تعتمد بشكل متزايد على التفوق المعرفي، والقدرات الاستخباراتية، وتحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي، والفضاء السيبراني، إضافة إلى الاقتصاد والتكنولوجيا والتعليم. في هذا السياق، تصبح أي مقاربة تعتمد نماذج تقليدية للصراع عرضة لمخاطر بنيوية، ليس فقط على مستوى الفاعلية، بل على مستوى الاستدامة. إذ إن البيئة الدولية الراهنة تعاقب الكيانات غير القادرة على التكيّف المؤسسي والمعرفي، وتمنح أفضلية للدول التي تستثمر في الإنسان والعلم وتراكم الخبرة داخل أطر شرعية ومستقرة.

2. من الردع الدائم إلى المناعة الوطنية
لم تعد القوة في عالم اليوم مرادفًا للاستنفار الدائم، بل أصبحت تُقاس بقدرة الدول على بناء مناعة وطنية شاملة، تشمل:
مناعة اقتصادية قائمة على الإنتاج لا الريع؛
مناعة علمية وتكنولوجية تتيح الفهم والتكيّف؛
مناعة مؤسساتية قادرة على امتصاص الصدمات؛
مناعة اجتماعية تحمي رأس المال البشري؛
إن إبقاء لبنان في حالة صراع دائم ومتكرر لا يعزز هذه المناعة، بل يستهلكها تدريجيًا، ويمنع تراكم السياسات العامة والخبرات الوطنية، ويضعف قدرة الدولة على التخطيط طويل الأمد.
3. الاقتصاد والمعرفة كجبهة سيادية
في الصراعات الحديثة، يشكّل الاقتصاد ساحة سيادية لا تقل أهمية عن الجغرافيا. فالدول التي تمتلك اقتصادًا معرفيًا متقدمًا وبنية تكنولوجية متينة، قادرة على فرض حضورها ونفوذها من دون الحاجة إلى مواجهات مفتوحة. في المقابل، فإن الدول الغارقة في أزمات أمنية مستمرة تفقد قدرتها على:
جذب الاستثمارات طويلة الأمد؛
بناء سلاسل إنتاج وطنية؛
حماية عملتها وطبقتها الوسطى؛
تطوير قطاعات التعليم والبحث العلمي؛
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يمكن الحديث عن حماية الوطن بمعزل عن حماية اقتصاده وقدرته الإنتاجية؟ أم أن السيادة الحديثة باتت تبدأ من إنتاج المعرفة، باعتبارها القاعدة التي تقوم عليها القدرة الاقتصادية، ومنها تنبع القدرة على الصمود والتنافس والبناء في مختلف المجالات الأخرى؟
4.هجرة العقول: الخسارة الصامتة
يمتلك لبنان طاقات بشرية استثنائية في مجالات الطب والهندسة والتكنولوجيا وريادة الأعمال. إلا أن الصراعات المتكررة، وغياب الاستقرار، وغياب الأفق الاقتصادي، تدفع هذه الطاقات إلى الهجرة. لا تُهزم الدول فقط عندما تخسر أراضيها، بل عندما تخسر عقولها. فهجرة الكفاءات تمثّل أحد أخطر أشكال الاستنزاف غير المرئي، لأنها تحرم الدولة من رأس المال الذي يُفترض أن يشكّل أساس نهضتها الاقتصادية والعلمية. أي بيئة سياسية أو أمنية تعيق الاستثمار في الإنسان، أو تجعل التعليم مجرد محطة عبور، تساهم موضوعيًا في إضعاف البلد، بغضّ النظر عن النوايا المعلنة.
5. حدود الفعل خارج الدولة
يُظهر مسار الصراعات الحديثة أن الفاعلين غير الدولتيين، مهما بلغت قدراتهم، يظلون محدودي الأفق الاستراتيجي على المدى الطويل. فغياب الإطار المؤسسي يجعل التخطيط هشًا، ويزيد من التعرض للضغوط السياسية والاقتصادية، ويحدّ من القدرة على الاستفادة من الموارد الوطنية والبحثية. في المقابل، تشكّل الدولة، بشرعيتها القانونية ومؤسساتها، الإطار الطبيعي لأي استراتيجية دفاعية مستدامة. فالتراكم المعرفي، وبناء السياسات العامة، وإدارة التكنولوجيا الحديثة، كلها عمليات لا تزدهر إلا ضمن مؤسسات مستقرة وقابلة للمساءلة والتطوير.
6. إعادة تعريف القوة ودور الدولة
إن الدعوة إلى المراجعة والتقييم المرحلي لا يمكن اعتبارها ضعفًا، بل هي سلوك استراتيجي عقلاني في عالم سريع التحول. كما أن إعادة تعريف العلاقة بين الفاعلين غير الدولتيين والدولة على أسس قانونية ومؤسساتية لا تعني إلغاء الأدوار، بل نقلها من منطق الظرفية إلى منطق الاستدامة.
كلفة الازدواجية خارج الدولة:
وعليه، فإن أي محاولة لبناء قدرات علمية أو تكنولوجية أو أمنية خارج الأطر المؤسسية الوطنية، تبقى بطبيعتها مجتزأة، ومعرّضة للتآكل، وغير قابلة للتحوّل إلى قوة وطنية حقيقية. إن التطور العلمي والتكنولوجي لا يتيح قيام مسارات موازية قابلة للاستدامة خارج إطار الدولة، بل على العكس، يرفع بصورة متزايدة كلفة أي ازدواجية في القرار أو البنية أو التخطيط. فالمعرفة والتكنولوجيا الحديثة تتطلب تراكمًا مؤسسيًا، وبيئة قانونية واضحة، وموارد وطنية موحّدة، وهي شروط لا يمكن تحقيقها إلا ضمن الدولة ومؤسساتها الشرعية.
الخاتمة: الدولة كشرط للاستقرار والسيادة
إن مستقبل لبنان، في بيئة إقليمية ودولية معقّدة، لن يُقاس فقط بما يمتلكه من أدوات مادية، بل بقدرته على:
حماية عقول أبنائه؛
بناء اقتصاد منتج؛
الاستثمار في العلم والتكنولوجيا؛
تعزيز مؤسسات الدولة؛
ففي عالم تُدار فيه القوة عبر المعرفة والتراكم المؤسسي، لا يمكن فصل الأمن عن الدولة، ولا السيادة عن الاقتصاد، ولا الاستقرار عن الاستثمار في الإنسان. ومن هذا المنطلق، يصبح بناء الدولة القادرة والعادلة ليس خيارًا سياسيًا ظرفيًا، بل شرطًا موضوعيًا للاستقرار الوطني والفاعلية الاستراتيجية على المدى الطويل.
نبض