العالم في مرحلة الردع الهشّ: لماذا لم تعد إدارة الأزمات كافية؟
بسام صرّاف
لم يعد الخطر في اندلاع حرب كبرى بقرار متعمّد، بل في نظام دولي قد يجد نفسه في حرب لم يخترها.
العالم لم يعد يواجه أزمة عابرة يمكن احتواؤها بأدوات تقليدية، بل دخل مرحلة يمكن توصيفها بـ "الردع الهش": وضع دولي تتشابك فيه أدوات الردع الكبرى بما يكفي لمنع الحرب الشاملة، لكن دون أن يمنع ذلك احتمالات الانزلاق غير المقصود نحو تصعيد واسع.
بخلاف الردع المتبادل المستقر الذي حكم الحرب الباردة، حيث كان التوازن النووي قائمًا على ثنائية واضحة وقنوات اتصال مؤسسية شبه دائمة، يتسم الردع الهشّ الراهن بتعدّد مراكز القوة، وتداخل المسارح، وتسارع المجال السيبراني، ما يقلّص زمن القرار ويضاعف احتمالات سوء التقدير.
ما يميز اللحظة الراهنة ليس حدّة الأزمات فحسب، بل تزامنها عبر مسارح متعددة، مثل أوكرانيا، الشرق الأوسط، بحر الصين الجنوبي، في ظل تراجع فاعلية المؤسسات متعددة الأطراف وغياب آلية استقرار جامعة. الخطر الحقيقي لم يعد في قرار الحرب المتعمد، بل في فقدان السيطرة على دينامياتها.

الجاهزية العالية: قوة ردع أم لحظة هشاشة؟
تعزيز الحضور العسكري الأميركي في مناطق التوتر لا يُقرأ فقط في إطار الطمأنة أو الاستعداد العملياتي، بل ضمن منطق الردع المركب: مرونة انتشار، قدرة على الضرب بعيد المدى، وتعدد محاور الضغط.
لكن التاريخ يقدّم درسًا حاسمًا: أعلى درجات الجاهزية حين لا ترافقها قنوات سياسية واضحة تصبح لحظة هشاشة. أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 لم تكن خطرة بسبب الصواريخ وحدها، بل بسبب ضيق هامش الخطأ وسرعة الحسابات المتبادلة.
في بيئة الردع الهشّ، كل تحرك دفاعي قد يُفسَّر كتحضير هجومي، وكل رسالة ردع قد تُقرأ كتمهيد للتصعيد.
انتقال القوة واختلال الاستقرار
وفق أدبيات الواقعية البنيوية ونظرية الاستقرار الهيمني، تمر الأنظمة الدولية بفترات اضطراب حين تتراجع قدرة القوة المهيمنة على ضبط التوازن دون أن تبرز قوة بديلة قادرة على تولي الدور.
الصين ترى أن أي انفجار واسع يهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي الذي تعتمد عليه استراتيجيتها الصاعدة.
روسيا تنظر إلى التحركات الغربية كجزء من صراع بنيوي على إعادة توزيع النفوذ الدولي.
ما يمنع المواجهة الشاملة اليوم ليس الانسجام، بل تشابك التكاليف. الردع قائم، لكنه هشّ؛ يردع الحرب الكبرى، من دون أن يمنع الاحتكاك المتكرر.
الاقتصاد كمؤشر إنذار مبكر
الأسواق المالية غالبًا ما تسبق السياسة في قراءة المخاطر.
في عام 2025 تجاوز الإنفاق العسكري العالمي مستويات غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة، في وقت تسجل فيه مؤشرات الثقة بالمؤسسات متعددة الأطراف أدنى مستوياتها منذ عقدين.
تقلبات الذهب، حساسية أسعار الطاقة، ضغوط سلاسل الإمداد، وتقديرات تباطؤ النمو العالمي، تعكس حالة قلق هيكلي لا ظرفي.
في اقتصاد عالمي شديد الترابط، تتحول أي أزمة جيوسياسية إلى صدمة مالية، وأي اضطراب مالي إلى عامل ضغط سياسي. هذه الحلقة المتبادلة تقلّص قدرة الحكومات على المناورة، وتجعل إدارة الأزمات التقليدية أقلّ فاعلية.
من تعدّد الأزمات إلى تراكبها
العالم لا يعيش أزمة واحدة، بل تراكب أزمات:
• تنافس استراتيجي طويل الأمد بين واشنطن وبكين.
• حرب مفتوحة في أوروبا الشرقية.
• هشاشة مزمنة في الشرق الأوسط.
• تآكل الثقة بالمؤسسات الدولية.
في هذا السياق، يصبح الاحتواء التكتيكي إجراءً موقتًا لا يعالج الجذور. أي حادث محلي، سواء أكان بحرياً، أم جوياً، أم سيبرانياً، قد يتحوّل بسرعة إلى أزمة دولية بفعل الترابط العسكري والاقتصادي والإعلامي.
ثلاثة مسارات محفوفة بالمخاطر
1. الاحتواء المدروس
استخدام الضغط العسكري كرافعة تفاوضية مع إبقاء قنوات التسوية مفتوحة.
2. التصعيد المحسوب
إعادة رسم خطوط الردع تدريجيًا لفرض معادلات جديدة دون الوصول إلى مواجهة مباشرة.
3. الانزلاق غير المقصود
أخطر السيناريوات، حين يؤدي سوء تقدير أو حادث تكتيكي محدود إلى سلسلة ردود فعل متصاعدة، كما حدث في صيف 1914، حين لم تكن أيّ قوة كبرى تسعى نظريًا إلى حرب عالمية شاملة.
البعد الإنساني: الكلفة غير المنظورة
أي انفجار واسع لن يكون مجرد مواجهة عسكرية، بل صدمة اجتماعية واقتصادية تمتد آثارها لعقود: نزوح جماعي، تضخم حادّ، اضطراب غذائي، وتآكل في استقرار الدول الهشّة. التاريخ يثبت أن الانهيارات الكبرى تعيد تشكيل المجتمعات بقدر ما تعيد رسم الخرائط.
إعادة ضبط النظام الدولي: من إدارة الأزمات إلى إدارة الهشاشة
إذا كانت مرحلة الردع الهشّ تعني أن الحرب غير مقصودة لكنّها ممكنة، فإن البديل عن فقدان السيطرة لا يكمن في إنهاء التنافس، بل في تنظيمه.
أقترح إطارًا عمليًا يمكن تسميته:
"آلية الاستقرار الاستباقي متعدد المسارات"
1. منصة تنسيق فوري بين القوى الكبرى
آلية دائمة لإخطار التحركات العسكرية الكبرى وتوضيح النوايا خلال ساعات، لتقليص هامش سوء التقدير.
2. بروتوكول فصل الاقتصاد عن التصعيد الأمني
حماية سلاسل الإمداد الحيوية (الغذاء، الطاقة، التكنولوجيا الأساسية) من الاستخدام كأدوات تصعيد شامل، وإنشاء آلية تأمين دولية ضد صدمات الحرب.
3. مبدأ سقف التصعيد المعلن
• منع الاستهداف المباشر لأراضي القوى النووية.
• تحييد البنية التحتية المدنية العابرة للحدود.
• تجنّب عسكرة الفضاء والبنى الرقمية الحيوية.
يمكن أن تتخذ هذه الآلية شكل منصة تنسيق ضمن إطار G20 الموسّع أمنيًا، أو مجموعة اتصال دائمة بين القوى النووية الخمس، مع بروتوكول استجابة خلال 24 ساعة لأي حادث عسكري عابر للحدود.
الخطر الحقيقي لا يكمن في فائض القوة، بل في فائض الترابط ضمن نظام يفتقد إلى مركز ضبط.
في النهاية: اختبار السيطرة
العالم لا يقف حتمًا على أعتاب حرب عالمية، لكنه يقف على حافة فقدان السيطرة على أزمات متراكمة ومتداخلة.
الفارق بين نظام مضطرب ونظام منهار لا يُقاس بحجم الترسانات العسكرية، بل بقدرة صناع القرار على الانتقال من ردود الفعل إلى إدارة الهشاشة البنيوية.
السؤال لم يعد: من سيربح المواجهة؟
بل: هل يستطيع النظام الدولي أن يمنع نفسه من الانزلاق؟
نبض