حين يتكلم القانون يصمت السلاح... السلام العالمي كحماية للإنسان والبيئة وكرامة ضحايا الحروب
راشد شاتيلا - سياسي لبناني مختص في الذكاء الاصطناعي و إدارة البيانات
السلام العالمي ليس زينة خطاباتٍ ولا صورةً مثالية تُعلّق على الجدران؛ إنه شرطٌ واقعي لبقاء الدول والمجتمعات، ومعيارٌ لمدى نضج السياسة حين تُغادر منطق الغلبة إلى منطق الإدارة الرشيدة. فالتاريخ، كلّه، يقدّم شهادة واحدة تتكرر بأسماء مختلفة: الحرب قد تفرض صمتاً موقتاً، لكنها لا تُنتج أمناً، وقد تغيّر خطوط تماسّ، لكنها لا تُعيد بناء الإنسان. وما يُسمّى "مكسبًا" في زمن النار، يتبدّد لاحقاً تحت ركام المدن، وانكسار الثقة، وانهيار القيم التي تحفظ تماسك المجتمع.
والمدخل الوحيد للسلام الذي لا يتحوّل إلى هدنة هشّة هو احترام القوانين. فالقانون ليس إجراءً شكلياً ولا نصوصاً للاستهلاك، بل هو العقل المؤسسي للدولة: يحدّد المسؤولية، يضبط القوة، ويحمي الحق من أن يصبح مجرّد شعار. حين يُطبّق القانون بعدالة وعمومية، يشعر الناس أن الدولة ليست خصماً لهم بل مرجع يحميهم؛ وحين يُهمَل أو يُنتقى في تطبيقه، يتسرّب إلى المجتمع أخطر ما يمكن أن يتسرّب: الإحساس بأن العدالة ليست حقاً بل حظ، وأن الطريق إلى الحقوق يمرّ عبر التوتر لا عبر المؤسسات.

إن السلام، بالمعنى السياسي العميق، يبدأ من الداخل قبل أن يُطلب من الخارج. دولةٌ يتراجع فيها استقلال القضاء، أو تتقلص فيها المساءلة، أو تختلط فيها الحدود بين السلطة والنفوذ، لا يمكنها أن تُنتج سلماً مستقراً، لأن هشاشة القانون تُحوّل كل خلافٍ إلى مشروع انفجار. احترام الدستور، وضمان المحاكمة العادلة، وصون الحريات ضمن إطار قانوني واضح، ليست ترفاً في الدول الحديثة، بل هي آلية وقاية تمنع النزاعات من التحول إلى عنف، وتمنح المجتمع وسيلةً حضارية لحل التناقضات الطبيعية التي لا تخلو منها أي أمة.
وعلى المستوى الدولي، لا يستقيم أي حديث عن السلام إذا بقي القانون الدولي مجرّد "لغة مراسم" لا "لغة التزام". فالانتقائية في تطبيق القواعد تُضعف شرعية النظام العالمي، وتُعطي الانفعالات المسلحة مادةً للتبرير، وتُدخل العالم في دوامة تُشبه الغابة: حيث يُصاغ الحق على مقاس القوة. السلام الدولي يحتاج إلى قواعد يُحترم مضمونها، وإلى آليات تسويةٍ تعمل بالفعل، وإلى خطابٍ مسؤول يتعامل مع النزاعات كملفاتٍ قابلة للحل، لا كمنابر لتبادل الاتهامات أو تصعيد الكراهية.
لكن أكثر ما يُغفل في قراءة الحروب هو أن آثارها لا تُقاس بعدد الضحايا فحسب، بل بحجم الخراب الذي يصيب مقومات الحياة ذاتها، وفي مقدمها البيئة. فالحرب تُطلق على الطبيعة ما يشبه "عقاباً جماعياً": هواءٌ مُلوّث، مياهٌ مُلوّثة، تربةٌ منهكة، غاباتٌ محترقة، ركاماتٌ ونفاياتٌ خطرة، وبقايا تُحوّل الصحة العامة إلى أزمة مزمنة. وحين تتدهور البيئة، ينهار الاقتصاد المحلي، ويضعف الأمن الغذائي، ويتسع النزوح، فتُخلق أسباب توتر جديدة تُغذّي نزاعاتٍ لاحقة. لهذا فإن القوانين البيئية ليست ملفاً ثانوياً، بل هي جزء من أمن الدولة والسلم المجتمعي.
وفي قلب الصورة الأكثر قسوة، يقف ذوو الاحتياجات الخاصة بوصفهم من أكثر ضحايا الحرب صمتاً وتهميشاً. فحين تنهار الخدمات، هم أول من يخسر حقه في العلاج والتأهيل والأدوية والأجهزة المساعدة؛ وحين يقع النزوح، تكون الحركة أصعب والنجاة أعقد؛ وحين تُقام الملاجئ أو تُدار المراكز، غالباً ما تُنسى الإتاحة، فيتحول المكان الذي يُفترض أن يحمي إلى مكان يزيد العزلة والألم. ثم إن الحروب نفسها تُنتج إعاقات جديدة، جسدية ونفسية، فتتسع دائرة الاحتياج بينما تتقلص قدرة الدولة على الاستجابة. هنا يُختبر معنى القانون: هل هو نصٌّ ينام، أم التزامٌ يصحو في أصعب الظروف؟
من هنا يجب أن يتحوّل احترام القوانين إلى منظومة حمايةٍ واضحة: قوانين تضمن الإتاحة في المرافق والخدمات، وتُلزم خطط الطوارئ إدراج احتياجات ذوي الاحتياجات الخاصة، وتفرض معايير بيئية صارمة في إدارة الأنقاض والنفايات وإعادة التأهيل، وتضع آليات رقابة ومساءلة لا تسمح بتحويل الاستثناء إلى قاعدة. فالحرب تُظهر معدن الدولة: الدولة التي تستند إلى القانون تُخفّف تكلفة الكارثة وتمنع الفوضى؛ والدولة التي تتهاون في القانون تُضاعف الخسائر ثم تتساءل لماذا فقد الناس ثقتهم بها؟
أمّا توعية الجيل الجديد، فهي حجر الأساس في السلام المستدام: لا بالشعارات، بل بالتربية على أن القانون طريق الحقوق، وأن العنف يرفع التكلفة ويُطيل الأزمة، وأن حماية البيئة ليست رفاهية بل حماية للصحة والاقتصاد والاستقرار، وأن احترام ذوي الاحتياجات الخاصة ليس مسألة تعاطف بل معيار عدالة. السلام الذي نحتاجه ليس صمت المدافع ليومٍ أو شهر، بل ثقافة دولة: قانونٌ فوق الجميع، وبيئةٌ مصونة لأنها حياة، وإنسانٌ مُكرَّم لا يُترك وحيداً عند اشتداد العاصفة. عندها فقط يصبح السلام مشروعاً قابلاً للحياة، لا أمنيةً تنتهي بانتهاء الخطاب.
نبض