مأزومية الإعلام الانتخابي و مأزقية التغيير

منبر 02-02-2026 | 11:20

مأزومية الإعلام الانتخابي و مأزقية التغيير

 من الظنيَّةِ الثبوتية الى اليقينية المطلقة.متى طغت سلطة على أخرى، إختلت دفَّتا ميزان العدالة واضمَحَّل منسوب التعاون بين  السلطات في المجتمعات ذات الديموقراطية النسبية، بحيث تصبح التعدديات أشبه بمنظومة أقليات تتعايش وفاقياً وفق روزنامات خاصة بكل جماعة تسعى إلى تأكيد كيانيتها  من خلال عصبيتها.
مأزومية الإعلام  الانتخابي و مأزقية التغيير
انتخابات لبنان (ارشيفية)
Smaller Bigger

د. جورج كلاس - وزير سابق


 

 من الظنيَّةِ الثبوتية الى اليقينية المطلقة.
متى طغت سلطة على أخرى، إختلت دفَّتا ميزان العدالة واضمَحَّل منسوب التعاون بين  السلطات في المجتمعات ذات الديموقراطية النسبية، بحيث تصبح التعدديات أشبه بمنظومة أقليات تتعايش وفاقياً وفق روزنامات خاصة بكل جماعة تسعى إلى تأكيد كيانيتها  من خلال عصبيتها.
فالعقلانية الواقعية مدَّعَمة بمنطق القدرة على التمييز بين السلطة السياسية والسلطة الإعلامية، تحتِّم تناول موضوع العلاقة  بين هاتين  القوتين، من حيث  أهلية كل سلطة وقدرتها ومهارتها في سعيها لتأكيد كيانيتها الاستقلالية وممارسة حضورها بالارتكاز على فن ممارسة الحرية وانتهاج مسلك التحرر، والتزام قيم نشر العدالة والدفاع عن الحق.   
 الواقع السياسي اللحظيُّ التحوُّل يفرض التعرُّضَ لقضية محورية حول قدرة الإعلام كسلطة على إحداث تبديلات في المشهد السياسي العام، على مستوى التغيير السلوكي والتطوير المفاهيمي وتصويب الآداء، ومعرفة ما  إذا كان دوره ينحصر بعملية  تغيير خيارات واستبدال مواقع موسمية تفرضها الظروف، أو أنه يستجيب منطق تطور مستلزمات العصر واتساع آفاق المعرفة الواجب تملُّكها لمواكبة نهجيات الحداثة الراسمة للعلاقات بين فنَّيْ الإعلام الإستهدافي الحامل رؤىً ومعلوماتٍ قصدية، والإستعلام التعرُّفي الراغب في الإستزادة من معلومات لا يعرفها والتأكد مما لديه من معلومات خام يريد تفحصها وإقامة الموازنة بين ما وصل اليه وما يبثه الإعلام  من ضخٍ  وبث متواترين.

ينسلُّ من ذلك سؤال مفهومي  ما إذا كانت  العلاقة بين الإعلام والسلطة تنتج  إشكالية  مصطلحات  وتعابير  تحاك  على نول  الممسكين بالقرار السياسي، بما يجعلهم قابضين على سلطتي الشأن العام والسلطة الإعلامية، وما إذا كان التغيير  بواسطة الإعلام هو عملية  أو مبادرات فردية أم  انه  نتاج  جهد فكري جماعي. وبالتالي  ما هو الاعلام  السياسي القادر على التأثير  والتغيير  وعن أي إعلام نتكلَّم؟ وما هو منسوب الثقة بقدرة السلطة الاعلامية على إحداث تغيير في السلطات الدستورية، من دون مقاربة الموضوع  من حيث انه تداخل صلاحيات بين السلطات الأربع التنفيذية والتشريعية والقضائية والاعلامية؟
فالتغيير بمفهومه العمقي الفاعل والمؤثر لا يعني تعزيز مواقع وقدرات،  بل إيجاد مساحات تفاعل صحية تتصف بالحرص على إحترام المساواة  والتزام  العدالة في ممارسة الإعلام التغييري لوظيفته التأثيرية، بالتوازي مع دوره الإيصالي والإخباري وتنمية المدارك وتقوية المهارات .
ويبرز دور الاعلام كوسيلة ضاغطة في عملية  رسم خرائط النفوذ السياسي، خصوصاً  في زمن الأزمات والنزاعات، بالإرتكاز على قدرة المؤسسة ومهارة الاعلامي و ثقافته إلى جانب خبرته، في إحداث تغيير في التعامل مع المعطى السياسي الضاغط على الوضع العام.

و تبرز الإشكالية ما إذا كان  الاعلام قادراً  على  إحداث تغيير في نهج السلطة او رفدها بنماذج جديدة، ووفق أي معايير؟ ويستتبع ذلك  كلام حول خطر أن تطغى السلطة الإعلامية على السلطات الأخرى، بحيث يصبح الإعلام بإسم الديموقراطية، سلطة تتدخل في عمل السلطات الدستورية الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، من دون وجود أي هامش يمنع هذا التدخل، في حين أن من العيب أن يحدث تداخل بين السلطات حفظاً لإستقلاليتها واحتراماً لكيانيتها. وهذا ما يطرح  السؤال عما إذا كان الإعلام سلطة فوق السلطات وفوق القانون وضاغطاً عليها وفي أيِّ ظروف؟ 
وهنا يظهر الدور الايجابي للإعلام المفتوح في التنبيه والفضح والمساهمة في تقصي الحقائق،
بموازاة دوره السلبي، وانحرافات بعض مستخدميه ومشغليه والناشطين المختبئين خلفه، تأثيراً وصياغة مواضيع، في جرائم التشهير والاعتداءات اللفظية والتضليل وحرف الاهتمامات عن الحقائق وما يستوجب أن يشكل مثار اهتمامات واسعة في المجتمع. 
و يصطدم  مفهوم السلطة الإعلامية وممارستها  بشرط توافر الحرية والقدرة على إدارة النفوذ والترويج للنفوذ، كحماية وقائية ومحاولة بناء سلطة عميقة لتقوية سلطة  النفوذ الظاهرة التي تبرّر السطوة الاعلامية والعجز حيالها، و بالتالي يفقد الإعلام قيمته كسلطة معرفيّة و قوة معنوية متى تحول إلى سلطة كتم للحقيقة وسياسة تآمر عليها، وتقاعس عن القيام بواجب التنوير والحماية والتحصين، وتخلى عن ثلاثية الإنتماء والالتزام  والوفاء، الناظمة ناموس السلطة الاعلامية الحرة، و لم يعد مؤهلاً لإقامة التوازن بين الحق والقوة واستثمار المعرفة. ولعلّ الخطر الأكبر الذي يقترفه بعض الإعلام، هو في أنه الأقدر على إقتراف الخطأ والأقدر على تبريره خارج أي عقلانية  بعيداً من براغماتية الإحتماء بشعار الديموقراطية بالتراضي والتوافقية السياسية، و عن واجب تأمين العدالة الإعلامية وتحصين المواطنين بالمعارف الواجبة. فقدرة الإعلام على إحداث تغيير في السلوك السياسي العام، تتجلّى بشكل أوضح في إستشراء ظاهرة التنافسية التمويلية للسيطرة على المساحات الإعلامية وممارسة التأثيرات السيكولوجية على الجمهور بموازاة المؤثرات السياسية المغلَّفة بإنضواءات وتبعيات تتصف بالوقوفية الجامدة. 
و تأسيساً على ازدواجية التأثر والتأثير، فإن فاعلية الإعلام في زمن الانتخابات النيابية تأخذ مدى أكثر فاعلية في تظهير المواقف والاتجاهات السياسية للمرشحين وتعمل على تلميع الصورة و إزالة التشويشات اللاحقة بالأشخاص ومرجعياتهم، من دون النظر إلى برنامجهم الانتخابي ورؤيتهم المستقبلية في خلال الولاية البرلمانية. وهذا ما يؤكد أن الإعلام المواكب  للفترة الانتخابية، يبقى في  مرتبة الترويج الانتخابي، ولا يرقى إلى رتبة القدرة على التأثير و التغيير إلى حد تكوين رأي عام يعاكس مأزومية الواقع و مأزقية الحال التي إعتاد الشعب التكيّف معها بالاقتناع أو بالإستسلام.     

                         
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 2/1/2026 11:18:00 AM
أدّت هذه العمليات إلى تفكيك الخلية بالكامل وإلقاء القبض على جميع أفرادها...
كتاب النهار 2/1/2026 4:40:00 PM
تفيد الوقائع أن عدداً كبيراً من الديبلوماسيين غادروا طهران وأقفلوا أبواب سفاراتهم موقتاً، "ولا يعني هذا الإجراء قطع علاقات".
لبنان 1/30/2026 11:14:00 AM
بيان لوزارة التربية والتعليم العالي... ماذا جاء فيه؟
سياسة 2/1/2026 7:40:00 PM
استهداف جديد في الجنوب والمستشفيات تحذّر: تصعيد إسرائيلي متواصل يسفر عن شهداء وجرحى وتهديد للقطاع الصحي