فكر جديد

منبر 02-02-2026 | 09:01

فكر جديد

في يوميّاتنا تمرّ ببالنا أفكار لا تحصى، قد لانهتمّ لها البتّة، وقد نفعل. إلَّا أنّ الحياة تقوم  على الأفكار القابلة للتحقُّق. والأهمّ يكمن في تشاركها وتلاقحها وفي الثمار التي تعطيها. 
فكر جديد
تعبيرية (انترنت)
Smaller Bigger

الاب ايلي قنبر 

 

 

 

1. غيّروا أفكاركم؟!
في يوميّاتنا تمرّ ببالنا أفكار لا تحصى، قد لانهتمّ لها البتّة، وقد نفعل. إلَّا أنّ الحياة تقوم  على الأفكار القابلة للتحقُّق. والأهمّ يكمن في تشاركها وتلاقحها وفي الثمار التي تعطيها. 
غير أنّ الشائع هو ابتعاد غالبيّة الناس عن عالم الأفكار: إمّا لخَوفهم منها نظرًا لكلفة تحقيقها والالتزام بها؛ أو لأنّ السياسة "هي فنّ منع الناس من الاهتمام بِما يخصّهم" (بول فاليري). هذا ما أكّده اسكتش البوسطجي[ الذي يقدِّم لنا الوصفة السحريّة للحياة.]:"إنتَ لا تفكِّر، نحنا منفكّر عنّّك؛ إنتَ لا تِتدخَّل، نحنا منتدخّل عنّك". وما عليك سوى أن"كول، شراب، ونام. وطنِّش، طنِّش، طنِّش !" وهكذا يقود بعضهم العالم كما يشتهي ودون معارَضة، بناءً على اللاّفكر واللاّمبالاة والكسل والاستسلام الكُلّيّ للغلبيّة.
لقد "اتسم عام 2025 بتحوّلات سياسية وثقافية وإعلامية حادّة. برز "التكويع" كتحوّل محسوب في المواقف، في مقابل "التشييع" مع رحيل شخصيات ثقافية وفنية وسياسية بارزة"... ، وانكشف مشهد عام تحكمه البراغماتية، تغييب فيه المساءلة، وتستمرّ الأزمات بلا أفق حل".... بدا عام 2025 تتويجاً لتلك الأحداث المكثّفة التي لا تتشكّل إلا عبر عقود: سقوط أنظمةٍ وصعودُ أخرى، وحرب لم تنتهِ إذ إنّ المحسوم فيها هو عدم نهايتها، وانهيار بدأ منذ 2019 واستقر مساره، علماً أنه كان واضحاً، منذ نشأته، أن تقويض انحداره شبه مستحيل"نعم، "المشهد اللبناني يُدار برؤية إخراجية دقيقة[  بول مخلوف، بين "التكويع" و "التشييع"، الأخبار، 1- كانون الثاني/يناير 2026] .

لا بالسياسة؛ المخرج يكوّع الكاميرا عن الكارثة، يُبعدها عن الإطار ويخلق صورة زائفة ترمي إلى القول إنّ البلد ماشي... وبألف خير، فيما تترك الوقائع/ الكارثة كلها خارج الإطار. ... كان عام 2025 تشييعاً للحقيقة وانتصاراً للشائعة. ...... على أنّ أحوال الراهن تنذر بأن الآتي أسوأ، وأنّ الاصطدام آتٍ لا محالة بين من يواصل التكويع ومن لا يزال واقًفًا". 



2."راغب[  الأغنية للفنّان راغب علامه. ] بقربك انا راغب"
في العلائق البشريّة، يبحث المرء عن رابط دفءٍ يمنحه الأمان والقربى. ومن العناصر الحيَويّة للإنسان، لينطلق ويستقرّ ويواجه تحدِّيّات الحياة، الشعور بالسكينة والثقة وبالقبول غير المشروط للتعبير عن النفس بحرِّيَّة وبِلا تكلُّف، والتحرّر من الخوف.
ولكن على صعيد العلاقة بين يسوع الناصريّ وبيننا فالأمر يختلف بالكُلِّيَّة. لأنّه يُبادر إلى لقائي والتحدّث معي (الصلاة) وتوطيد علاقة صداقة لا مثيل لها :"لا أَدعوكم عبيدًا، لأنّ العبد لا يعلم ما يعمل سيِّده. لكنّي سمَّيتُكم أحبّاء لأنّي أَعلمتكم بكلّ ما سمعته من أبي"[  يوحنّا 15: 15.]. وفي حين يظهر الفرِّيسيّ[  لوقا 18: 10-14.] مُتَمركِزًا حول نفسه (أنَويّ لا بل نرجسيّ)، تجدني أمام علاقة مجّانيّة وغير مشروطة كما في لقاء زكّا العشّار[  لوقا 18: 1-10.]، وعلى غرار تلك التي اعتمدها يوحنّا بن زكريّا تجاه الآخَر (يسوع) حيث قال:"له أن ينمو، ولي أن أنقُص"[  يوحنّا 3: 30.]... علاقة تقوم على الحبّ الواعي والنامي لا على التلاعب والغشّ. وترتكز على أفكار وأخلاق يسوع اللمسيح[  فيلࢷّي 2: 5.]، مُحترِمة صورة الآخَر وحياته وكرامته وسُمعته وكلّ ما هو له وما يُحيط به ويُشكِّل عالمه الواسع.
3. بين وَعي جَماعيّ و ࢷروࢷاغندا !
من هنا، وفي خضمّ ما يتعرّض له كوكبنا من هزّات بيئيّة وأخلاقيّة وسياسيّة وإعلاميّة، هل نجد مساحة آمنة للإنسان؟
نبدأ مع المخاطر التي تجتاحنا إعلاميًّا وتفرض مناخًا مشحونًا بالأضاليل الهدّامة للحياة بكلّ أَوجُهها. فوسائل الإعلام "تُستخدم في كثير من الأحيان[  علي فران، حروب أميركا تبدأ من... الإعلام، الأخبار، الخميس 22 كانون الثاني/يناير 2025.] لتمرير سياسات وأكاذيب السلطات، وغالبًا ما تُعامَل منشورات هذه الوسائل كما لو كانت مراجع موثوقة لأحداث ومعلومات مؤكدة". إذ الهدف واحد منها:" تأطير الصراع، وتشويه صورة الخصم، وصياغة سردية أخلاقية وأمنية تسبق الفعل العسكري وترافقه". الأمر الذي أكّده جورج كريل[ ر ئيس لجنة الدعاية الأميركية خلال الحرب العالمية الأولى.] في كتابه[  «كيف قمنا بالإعلان عن أميركا»، الصادر عام 1920.]، يصرِّح:«خلف خطّ النار، وخلف الجيوش والأساطيل، كانت هناك معركة أخرى تُخاض بالحدّة نفسها… معركة من أجل عقول الناس، من أجل الاستيلاء على قناعاتهم". 
وتزداد اليوم المخاطر من المنصّات الرقميّة[  "الأخطر أنّ التحوّل نحو المنصّات المرئية مثل "يوتيوب" و"تيك توك"، الذي يُعدّ خياراً استراتيجياً في الشمال، يتحوّل في الجنوب إلى علاقة تبعيّة كاملة لمنصّات عابرة للحدود، تتحكّم بالتوزيع والعائد والخوارزميات، من دون أي قدرة تفاوضية حقيقية للمؤسسات المحلية".] حيث "تتحوّل المعرفة، تلك القوة التي تُنتج وعيًا جماعيًا حقيقيًّا، إلى سلعة خام تُدار ولا تُنتَج، يخضع مشروعها لمعدّلات الربح والهيمنة التقنية، لا لمصلحة الأكثرية البشرية أو لمتطلّبات العدالة الاجتماعية"[  "حين تُصاغ "الحلول" من منظور الأسواق القادرة ورؤوس الأموال الكبرى، يُدفع ثمن "التحوّل الرقمي" بأجور الصحافيين، وباستقلال غرف الأخبار، وبحقّ المجتمعات المهمّشة في إعلام يُشبهها ويخدمها، ليصبِح محتوى الخبر في نهاية المطاف منتجاً استهلاكياً يُعدّ للمنصات، لا مشروعًا اجتماعيًّا وعامًّا". راجع: علي سرور، السلطة الرابعة عند مفترق طرق: انتفاضة أم استسلام للخوارزميات؟، الأخبار، الجمعة 23 كانون الثاني/يناير 2026].
هذا لا ينفي أنّ قسمًا من الناس عرفوا كيف يحوِّلوها إلى أداة في خدمة المعرفة والمصلحة العامّة والقضايا العادلة بالرغم من مناهَضة "الأعداء" لهم. هذا ما قام به طلاّب وطالبات الجامعات الأميركيّة والأوروࢷيّة، فضلًا عن المؤثِّرات والمؤثِّرين والجمعيّات والأحزاب التي طالها التحوُّل نحو الحقّ والشهادة له بكلّ قوّة.كما أنّ معارض الكتاب لعبت دَورًا مفصليًّا أيضًا إذ  "تجاوزت صناعة النشر في الغرب دائرة الترفيه خلال عام 2025، لتفرض نفسها ساحة رئيسية للاشتباك الفكري والسياسي. (إذ) استعاد الكتاب هذا العام دوره الجذري كأداة للمساءلة المباشرة"[  "بدءًا من تشريح نظام رأسمالي يترنح، مرورًا بمواجهة هيمنة الذكاء الاصطناعي، وصولًا إلى البحث عن لغة أخلاقية توازي فداحة المآسي في الشرق الأوسط". راجع: سعيد محمّد، الكتاب في مواجهة أزمات العالم، الأخبار، 10 كانون الثاني/يناير 2026.].
هذا، وباتت السوشيل ميديا  "فضاءات هندسية لإعادة تشكيل الإدراك الجمعي، والعلاقات الاجتماعية، وحتى مفهوم "الذات". ولا يكمن الخطر فقط في المحتوى، بل يمتد إلى البنية الخوارزمية ذاتها التي تحكم ما نراه، وما لا نراه"[ وفق تحذيرات متخصّصين في علوم السلوك البشري.راجع: المنصّات الرقمية: من غسل الأدمغة إلى تشكيل الوعي الجماعي،الأخبار، الثلاثاء 20 كانون الثاني/يناير 2026
].
من  هنا، و"إذا كانت هذه المنصّات قادرة على إعادة تشكيل سلوكنا الجماعي بهذا العمق، فالسؤال صار: "أي نوع من البشر يُعاد صياغته داخل هذا الفضاء الرقمي؟".


 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 2/1/2026 11:18:00 AM
أدّت هذه العمليات إلى تفكيك الخلية بالكامل وإلقاء القبض على جميع أفرادها...
كتاب النهار 2/1/2026 4:40:00 PM
تفيد الوقائع أن عدداً كبيراً من الديبلوماسيين غادروا طهران وأقفلوا أبواب سفاراتهم موقتاً، "ولا يعني هذا الإجراء قطع علاقات".
لبنان 1/30/2026 11:14:00 AM
بيان لوزارة التربية والتعليم العالي... ماذا جاء فيه؟
سياسة 2/1/2026 7:40:00 PM
استهداف جديد في الجنوب والمستشفيات تحذّر: تصعيد إسرائيلي متواصل يسفر عن شهداء وجرحى وتهديد للقطاع الصحي