البعد الإقليمي والعالمي لزيارة البابا في خطاب الرئيس جوزف عون

منبر 30-01-2026 | 18:37

البعد الإقليمي والعالمي لزيارة البابا في خطاب الرئيس جوزف عون

 يمكن القول إن زيارة البابا، كما قدّمها الرئيس جوزف عون، شكّلت لحظة كاشفة لمكانة لبنان الحقيقية: بلد صغير بحجمه، لكنه كبير بدوره
البعد الإقليمي والعالمي لزيارة البابا في خطاب الرئيس جوزف عون
البابا لاوون
Smaller Bigger

*الدكتور فادي عساف


لم تكن زيارة البابا لاوون الرابع عشر للبنان حدثاً بروتوكولياً أو روحياً معزولاً عن سياقه السياسي، بل شكّلت محطة إقليمية ودولية بالغة الدلالة، أعادت إبراز مكانة لبنان ودوره في محيطه العربي وعلى الساحة العالمية. وقد عبّر رئيس الجمهورية اللبنانية جوزف عون عن هذا المعنى بوضوح في خطابه أمام قداسة البابا، ثم عاد فوسّعه في كلمته أمام أعضاء السلك الديبلوماسي المعتمدين لدى لبنان في ٢٠ كانون الثاني، مقدّماً رؤية متكاملة تضع لبنان مجدداً في دائرة الاهتمام الدولي الفاعل.

في استقباله البابا، قدّم الرئيس عون لبنان للعالم من خلال أعلى مرجعية روحية كونية، بوصفه وطناً يحمل رسالة تتجاوز حدوده الجغرافية. فالزيارة، في نظره، لم تكن موجّهة إلى فئة أو طائفة، بل إلى لبنان بكل مكوّناته، وإلى الشرق الأوسط بأسره. ومن هنا، شدّد على أن لبنان يشكّل نموذجاً نادراً في هذه المنطقة المضطربة، وخاصة نموذج التعددية الدينية وحرية المعتقد، وهي قيم باتت مهددة في محيط إقليمي تسوده النزاعات والانقسامات.

ومن هذا المنطلق، اكتسبت الزيارة بعداً إقليمياً واضحاً، إذ أعادت التأكيد أن لبنان ليس هامشاً في معادلات الشرق الأوسط، بل مساحة تلاقٍ يمكن أن تُستعاد كنقطة توازن وحوار. حضور البابا في بيروت، وما رافقه من اهتمام إعلامي وديبلوماسي واسع، شكّل رسالة غير مباشرة إلى المنطقة مفادها أن لبنان، رغم أزماته، لا يزال عنصر استقرار معنوي وسياسي، وصوتاً للحوار في شرق أوسط يميل أكثر فأكثر إلى الاستقطاب.

هذا المعنى نفسه عاد الرئيس عون ليؤكده أمام السلك الديبلوماسي، حين ربط الزيارة البابوية بالمكانة الدولية للبنان. فقد اعتبر أن كلمات البابا ومواقفه خلال الزيارة أخرجت الشأن اللبناني من إطار المعالجة التقنية للأزمات، إلى فضاء الاهتمام الدولي الواسع، حيث يُنظر إلى لبنان كقضية إنسانية وسياسية ذات أبعاد عالمية. وبذلك، تحوّلت الزيارة إلى عامل إعادة إدراج للبنان على جدول أعمال المجتمع الدولي، لا بوصفه دولة مأزومة فحسب، بل كدولة ذات دور ورسالة.

وفي هذا السياق، شدّد الرئيس عون على أن لبنان، عبر هذه الزيارة، أعاد تثبيت موقعه كشريك شرعي في النظام الدولي، ملتزم بخيارات السلام، وباحترام القرارات الدولية، وبالسعي إلى إصلاح مؤسساته واستعادة سيادته الكاملة. ووجّه رسالة واضحة إلى الدول الصديقة مفادها أن دعم لبنان ليس عملاً تضامنياً مؤقتاً، بل استثمار في استقرار إقليمي أوسع، وفي نموذج فريد في الشرق الأوسط.

إن التلاقي بين الخطابين يبيّن أن الرئيس عون تعمّد تقديم الزيارة البابوية كرافعة سياسية وديبلوماسية، بقدر ما هي روحية. فهي من جهة أعادت للبنان صورته كجسر بين الشرق والغرب، ومن جهة أخرى ذكّرت المجتمع الدولي بأن انهيار لبنان أو نهوضه لا يقتصر أثره على الداخل، بل يطال التوازنات الإقليمية والاستقرار الدولي.

وبناءً على ذلك، يمكن القول إن زيارة البابا، كما قدّمها الرئيس جوزف عون، شكّلت لحظة كاشفة لمكانة لبنان الحقيقية: بلد صغير بحجمه، لكنه كبير بدوره، لا يزال يمتلك القدرة على مخاطبة العالم بلغة القيم، وعلى القيام بدور محوري في محيطه، متى توافرت الإرادة السياسية والدعم الدولي اللازم.

 

*سفير لبنان في الفاتيكان

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 1/29/2026 3:45:00 PM
عودة إلى مسيرة هدى شعراوي، الممثلة السورية التي رحلت عن عالمنا اليوم مقتولةً، بعد أن دخلت الذاكرة الشعبية باسم "أم زكي".
سياسة 1/29/2026 10:35:00 AM
العسكريون المتقاعدون ينتظرون وعداً من سلام لرفع رواتبهم إلى 85 في المئة من قيمتها الفعلية للعام 2019 ويؤكدون أن التصعيد في مقابل عدم الاتفاق.
فن ومشاهير 1/29/2026 3:20:00 PM
شعراوي قُتلِت على يد عاملة المنزل التي لاذت بالفرار عقب الجريمة.
فن ومشاهير 1/29/2026 8:53:00 PM
ما إن فتح أحد الأحفاد الباب حتى شمّ رائحة حريق. دخل مسرعاً بدافع القلق، ليعثر على جدّته ممدّدة على سريرها...