موازنة لبنان 2026: انضباطٌ محاسبي بلا رؤية… وإدارةُ أزمة بدل الخروج منها

منبر 30-01-2026 | 13:31

موازنة لبنان 2026: انضباطٌ محاسبي بلا رؤية… وإدارةُ أزمة بدل الخروج منها

أقرّت الحكومة اللبنانية موازنة عام 2026 في ظلّ استمرار واحدة من أعمق الأزمات المالية والاقتصادية في تاريخ البلاد. وقد قُدِّمت هذه الموازنة على أنّها «منضبطة حسابيًا» و«خالـية من العجز»، مستندة إلى توازنٍ شكلي بين الإيرادات والنفقات.
موازنة لبنان 2026: انضباطٌ محاسبي بلا رؤية… وإدارةُ أزمة بدل الخروج منها
الرئيس نبيه بري في اليوم الثالث من جلسات مناقشة الموازنة. (حسام شبارو)
Smaller Bigger

د.علي حمود

 

 

أقرّت الحكومة اللبنانية موازنة عام 2026 في ظلّ استمرار واحدة من أعمق الأزمات المالية والاقتصادية في تاريخ البلاد. وقد قُدِّمت هذه الموازنة على أنّها «منضبطة حسابيًا» و«خالـية من العجز»، مستندة إلى توازنٍ شكلي بين الإيرادات والنفقات. غير أنّ قراءة معمّقة لبنودها تُظهر بوضوح أنّ هذا الانضباط لا يواكبه أي تصور اقتصادي متكامل، ولا يعكس عدالة اجتماعية حقيقية، ولا يشكّل مدخلًا لإصلاح جذري، ما يجعلها عمليًا موازنة لإدارة الأزمة لا موازنة للخروج منها.

تبلغ قيمة موازنة 2026 نحو 505 تريليونات ليرة لبنانية (أي ما يقارب 5.6 مليارات دولار وفق سعر الصرف المعتمد في الحسابات الرسمية)، وهي أعلى من موازنة 2025 التي قُدّرت بحوالى 445 تريليون ليرة. هذه الزيادة لا تعكس نموًا اقتصاديًا فعليًا، بل تعود أساسًا إلى تشديد الجباية وتحسين التحصيل واعتماد سعر صرف موحّد في احتساب الرسوم والضرائب.

من حيث الإيرادات، تشكّل الإيرادات الضريبية أكثر من 80% من إجمالي الموارد، معظمها من الضرائب غير المباشرة كضريبة القيمة المضافة والرسوم الجمركية والمالية. أمّا الإيرادات غير الضريبية، مثل عائدات المرافئ والمؤسسات العامة، فلا تزال محدودة ولا تتجاوز خمس الإيرادات. هذا الخيار الضريبي، وإن ساعد على ضبط الأرقام، يضع العبء الأكبر على المستهلكين وأصحاب الدخل المحدود.

على مستوى النفقات، تبتلع النفقات الجارية نحو 88–90% من إجمالي الموازنة، وفي مقدّمها الرواتب والأجور والتقديمات الاجتماعية وكلفة تشغيل الإدارات العامة. في المقابل، لا تتجاوز النفقات الاستثمارية نسبة 10–12%، وهي نسبة متدنية لا تسمح بإطلاق مشاريع بنى تحتية أو برامج تحفيز اقتصادي قادرة على خلق نمو وفرص عمل.

بالمقارنة مع موازنة 2025، يمكن القول إنّ موازنة 2026 أكثر انتظامًا من حيث الشكل وأوضح في الأرقام، وأقل فوضى في التقديرات. إلا أنّ الجوهر لم يتغيّر: استمرار التركيز على الجباية بدل الإنتاج، وعلى الإنفاق التشغيلي بدل الاستثمار، وعلى إدارة الواقع القائم بدل تغييره. فالانتقال من 2025 إلى 2026 لم يكن انتقالًا إصلاحيًا، بل تحسينًا تقنيًا محدود الأثر.

أما المستفيدون من هذه الموازنة، فيتقدّمهم الجهاز الإداري للدولة، الذي يضمن استمرارية العمل وتغطية النفقات الأساسية، إضافة إلى الخزينة العامة التي تعزّز إيراداتها. كما تستفيد بعض القطاعات المرتبطة بالرسوم والجباية. في المقابل، يبقى المواطن الخاسر الأكبر، ولا سيّما الطبقة الوسطى والموظفون والمتقاعدون، إذ لا تتضمن الموازنة أي تصحيح عادل للأجور أو حماية فعلية للقدرة الشرائية.

كذلك، لا تقدّم موازنة 2026 أي حلّ لأزمة الودائع المصرفية، ولا تُدرجها ضمن رؤية مالية متكاملة، ما يعني استمرار حالة الشلل في القطاع المصرفي، وتعطّل التمويل، وتراجع الثقة، وهي عناصر أساسية لأي تعافٍ اقتصادي.

السؤال الجوهري يبقى: هل كان بالإمكان جعل هذه الموازنة مدخلًا للخروج من الأزمة؟ الجواب نعم، لو تم اعتماد خيارات مختلفة، أبرزها إعادة هيكلة النظام الضريبي باتجاه ضرائب تصاعدية على الأرباح والثروات بدل الاعتماد المفرط على الضرائب الاستهلاكية، وزيادة الإنفاق الاستثماري في قطاعات منتجة كالكهرباء والنقل والبنى التحتية، وربط الموازنة بخطة واضحة لإعادة هيكلة المصارف وحماية حقوق المودعين، إلى جانب إصلاح إداري جدي يحدّ من الهدر والفساد.

في الخلاصة، موازنة لبنان 2026 قد تنجح في منع الانهيار المالي، لكنها لا تفتح باب النهوض الاقتصادي. هي موازنة توازن الأرقام ولا توازن المجتمع، تضبط الحسابات ولا تعالج الجذور، وتُبقي البلاد في دائرة إدارة الأزمة بدل الانتقال إلى مسار التعافي الحقيقي.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 10/7/2026 10:45:00 PM
تعود مؤرخة الفن ثريا نجيم لقيادة اللوفر أبوظبي بعدما أسهمت في تأسيس رؤيته وتطوير مقتنياته، حاملةً خبرة دولية في الفن الإسلامي وإدارة المجموعات والمعارض.
المشرق-العربي 10/7/2026 10:20:00 AM
نشرت كتائب القسام مشاهد موثّقة وغير منشورة سابقاً ليحيى السنوار، رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس، الذي قتل في 16 تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2024 خلال اشتباكات مع قوة من الجيش الإسرائيلي في جنوب قطاع غزة.
المشرق-العربي 10/8/2026 12:06:00 PM
واشنطن تفتح باب تسليح الجيش السوري، وإسرائيل تفرض خطوطها الحمر. هل تدفع صفقات السلاح دمشق إلى حروب جديدة من لبنان إلى اليمن؟ ومن يملك القرار العسكري؟
اسرائيليات 10/7/2026 10:54:00 PM
أعلن يحيئيل لايتر بدء تنفّس نجله نيريا من دون جهاز اصطناعي، بعد إصابته الخطرة في هجوم دهس الشهر الماضي، لكنه لم يستعد وعيه بالكامل.