كيف تهدم جزيرة جليدية عرش الامبراطورية
كتب أكرم بزي
تواجه الامبراطورية الاميركية اليوم منعطفا تاريخيا قد ينهي زعامتها التي استمرت على العرش لمدة 75 عاما، حيث يبدو ان سياسات الادارة الحالية بقيادة ترامب بدأت في تفكيك بنية الحلف الغربي والاوروبي الذي هيمن على مفاصل الاقتصاد العالمي لعقود طويلة، والمثير للدهشة ان هذا الانهيار المحتمل لا يأتي نتيجة حرب نووية او غزو خارجي، بل بسبب خلاف حول جزيرة غرينلاند الجليدية التي لا يتجاوز عدد سكانها 56,000 نسمة.
ان المتأمل في دروس التاريخ يدرك ان القوى العظمى لا تنهار فجأة، بل تسقط نتيجة تراكم القرارات الخاطئة والغرور السياسي الذي يحجب رؤية الواقع، وهذا ما نشهده الان في السلوك الاميركي الذي استبدل لغة الدبلوماسية بلغة التهديد والابتزاز ضد اقرب الحلفاء التاريخيين، فاعلان فرض تعريفات جمركية تبدأ من 10% في 1 شباط 2026 لتصل الى 25% في حزيران من العام نفسه ضد ثماني دول اوروبية، لمجرد الضغط على الدنمارك لبيع غرينلاند، يمثل سابقة تضرب في عمقها القواعد القانونية التي ارستها واشنطن نفسها، وتعلن رسميا تمزيق القانون الدولي الذي يقوم على احترام سيادة الدول على اراضيها وعدم جواز الاستيلاء عليها بالضغط المالي او العسكري.

يتجاوز هذا المشهد البعد الاقتصادي ليصل الى ازمة اخلاقية حادة، حيث تخلت اميركا عن دورها كدولة قانون لتمارس سلوك القراصنة في العلاقات الدولية، ان محاولة شراء اراضي الغير تحت وطأة التهديد الاقتصادي يسقط القناع عن الشعارات التي طالما تشدقت بها الادارات المتعاقبة حول حماية حقوق الانسان وسيادة الدول، فالعالم اليوم يرى اميركا وهي تقوض المبادئ التي منحتها الشرعية الاخلاقية لقيادة العالم، مما يعجل من حالة النفور الكوني تجاه سياساتها ويجردها من صفة القائد الموثوق الذي يلتزم بالاتفاقيات والمواثيق الدولية.
هذا التحول الجذري لم يكن وليد الصدفة، فرغبة ترامب في الخروج من حلف الناتو ليست امرا طارئا بل هي عقيدة قديمة لديه، حيث لطالما اعتبر الحلف عبئا ماليا لا مبرر له، وهو اليوم يترجم هذه القناعة عبر خلق شقاق لا يمكن رأبه مع الاوروبيين، مما حول واشنطن من مظلة حامية للامن الاوروبي الى خصم تجاري وعسكري يسعى للاستحواذ على اراضي الحلفاء بالقوة، وقد ادركت العواصم الاوروبية ان الصمت يعني فقدان السيادة الوطنية، فإذا استطاعت اميركا انتزاع ارض من دولة عضو في الناتو عبر الابتزاز، فلن تكون اي حدود في اوروبا آمنة بعد اليوم، وهذا التوجه يخلق مفارقة صارخة مع الموقف الغربي الرافض للعمليات العسكرية الروسية في اوكرانيا.
انعكس هذا التوتر مباشرة على الاسواق المالية، حيث شهدت البورصات العالمية حالة من الذعر ادت الى خسارة مؤشر S&P 500 نحو 1% من قيمته، بينما نزفت البورصات في المانيا وبريطانيا وايطاليا ارقاما ضخمة، تعبيرا عن فقدان الثقة في اميركا كملاذ آمن، وردا على ذلك، شرع الاتحاد الاوروبي في تجهيز ترسانة اقتصادية انتقامية تشمل حزمة تعريفات بقيمة 107 مليارات دولار تستهدف قطاعات حيوية مثل صناعة الطائرات والسيارات والمنتجات الزراعية، مع تفعيل اداة مكافحة الاكراه لفرض قيود على شركات التكنولوجيا الكبرى.
لم يتوقف الامر عند المستوى الرسمي، بل انتقل الى الشارع حيث انطلقت حملات مقاطعة شعبية واسعة، ففي الدنمارك وحدها انضم اكثر من 108,000 شخص لمجموعات تنادي بمقاطعة السلع الاميركية، وتحولت العلامات التجارية التي كانت رمزا للقوة الناعمة الى اهداف منبوذة، وفي ظل هذا التصدع، بدأت قوى دولية اخرى في التحرك، وكانت الخطوة الاكثر صدمة هي توجه كندا نحو تعزيز تعاونها مع الصين، واصفة بكين بأنها اصبحت شريكا اكثر قابلية للتوقع من اميركا، وهذا التحول يعكس تآكل النظام الدولي الذي تقوده واشنطن من الداخل.
جيوسياسيا، تفتح هذه الصراعات الباب واسعا امام روسيا والصين لترسيخ نفوذهما عبر تكتلات مثل بريكس، بينما يواجه حلف الناتو خطر التفكك الفعلي، فالحلف لا يمكنه الاستمرار اذا تحول قائده الى مصدر تهديد لاعضائه وممزقا لشرعيته القانونية والاخلاقية، وفي الشرق الاوسط، سيؤدي تراجع الهيمنة الاميركية وانشغالها بحروبها التجارية الى بروز عالم متعدد الاقطاب، حيث تفقد الضغوط المالية والعسكرية الاميركية فعاليتها امام تنامي استقلال القرار الاقليمي وبناء تحالفات تقوم على المصالح المشتركة والندية، لينتهي بذلك عصر القطب الواحد الذي حكم العالم منذ نهاية الحرب الباردة.
نبض