"الميتافيرس"… إختلاط الوهم بالواقع

منبر 29-01-2026 | 09:27

"الميتافيرس"… إختلاط الوهم بالواقع

في زمنٍ تتسارع فيه التكنولوجيا إلى حدّ يربك الإنسان، يطلّ علينا ما يُعرف بـ"الميتافيرس" كأحد أكثر الظواهر إثارةً للدهشة… والقلق في آنٍ واحد. عالمٌ رقمي ثلاثي البعد، يُدخل المستخدم في تجربة شبه كاملة، تحاكي الواقع وتُغريه بالانخراط فيها كأنها امتداد طبيعي لحياته اليومية.
"الميتافيرس"… إختلاط الوهم بالواقع
صورة تعبيرية
Smaller Bigger

عماد المعشّر - الأردن

 

 

 

في زمنٍ تتسارع فيه التكنولوجيا إلى حدّ يربك الإنسان، يطلّ علينا ما يُعرف بـ"الميتافيرس" كأحد أكثر الظواهر إثارةً للدهشة… والقلق في آنٍ واحد. عالمٌ رقمي ثلاثي البعد، يُدخل المستخدم في تجربة شبه كاملة، تحاكي الواقع وتُغريه بالانخراط فيها كأنها امتداد طبيعي لحياته اليومية.
"الميتافيرس" هو تقنية رقمية متطورة تُحيط بالمستخدم وتستجيب لتفاعلاته، غالباً عبر وسائل عرض تُثبَّت على الرأس، وأحياناً من خلال أدوات تتيح تتبّع حركة اليدين والإحساس باللمس. ومن خلال هذه الوسائل، يُفتح أمام الإنسان فضاء واسع من العوالم الافتراضية المتعدّدة، حيث يمكنه أن يتجوّل، ويشتري، ويبيع، ويستثمر… كل ذلك من دون أن يغادر مكانه.

في هذا العالم، يستطيع المستخدم أن يرى كرة أرضية افتراضية، وينتقل بحسابه ليشتري قطعة أرض، أو محلاً، أو لوحة فنية، أو موقعاً رقمياً. تبدو هذه الممتلكات حقيقية على الشاشة، لكنها في الواقع لا تتجاوز كونها صوراً رقمية لا وجود لها خارج المنصّة الإلكترونية. فمن يشتري أرضاً أو مبنى في "الميتافيرس"، إنما يشتري وهماً بصرياً محصوراً بعالم افتراضي، لا قيمة مادية ملموسة له.
ولعلّ ما يزيد الأمر تعقيداً هو صعوبة استيعاب هذه الظاهرة لدى كثيرين: كيف يمكن لشخص أن يدفع المال في مقابل شيء لا وجود له إلا في الخيال الرقمي؟ ومع ذلك، وبعد فترة من الزمن، تنتشر أخبار عن أرباح طائلة حققها بعض المستخدمين، بعد أن باعوا تلك "الأراضي الوهمية" لمستخدمين آخرين، فتتحوّل القصة إلى إغراء جماعي.
مع اتساع استخدام "الميتافيرس" وتكاثر روّاده، تصبح الظاهرة عادة اجتماعية متكرّسة. ترتفع الأسعار، ويجني
بعض الأشخاص أرباحاً كبيرة، فتزداد وتيرة التهافت، ويندفع مزيد من الناس إلى هذه العوالم بدافع الربح السريع، من دون وعي حقيقي لطبيعة ما يشترونه أو يخاطرون به. ومع ازدياد الطلب في مقابل عرض محدود، تغتني قلّة، بينما يُغري المشهد آخرين بالدخول في الدوامة، فيتحوّل الوهم إلى سوق، والخيال إلى سلعة.
لكن، كما يحدث في كثير من الفقاعات الوهمية، تختلط الأمور سريعاً على الناس، ويصعب التمييز بين الواقع والوهم. وسرعان ما تنهار هذه العوالم الافتراضية، فيدفع كثيرون الثمن، وغالباً بعد فوات الأوان. حينها يفيق البعض من وهمه، ويسخر من نفسه لما وقع فيه، بعدما اندفع بشغف وإرادته نحو سعادة موقتة، لم تكن سوى طريق إلى الخسارة والهاوية.
قد يبدو المشهد مضحكاً أو عبثياً، لكن قبل أن نسخر من هؤلاء، يفرض السؤال نفسه علينا كمؤمنين وكمجتمع:
ألسنا نحن أيضاً نعيش أحياناً في عوالم إفتراضية من نوع آخر؟
ألا ننجرف خلف فرضيات وأوهام نصدّقها فقط لأن "الجميع يسيرون في هذا الاتجاه"؟
وأين نقف نحن من الحق، وسط هذا الضجيج؟
في قلب هذا الارتباك، يذكّرنا الإيمان المسيحي بأن السيد المسيح هو "الطريق والحق والحياة"، وأن الإنسان مدعو إلى ما يتجاوز الزائل والموقت. لقد رسم لنا المسيح الهدف الأسمى، وحدّد المعنى الحقيقي للحياة، وكل ما هو خارج هذا الإطار يبقى وهماً، مهما بدا لامعاً ومغرياً. فالعالم، حين ينفصل عن الحق، يغرق في إغراءات زائفة، ويستسلم لسباق محموم نحو الشهوة، والشهرة، والمادة، والفساد.
"ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا".
"أنا هو الطريق والحق والحياة".
لعلّ السؤال الأهم اليوم ليس ما إذا كان "الميتافيرس" ناجحاً أو فاشلاً، بل إلى أين يقود الإنسان؟ فلو استثمرنا جزءاً من وقتنا في البحث عمّا يريده الله منا، وفي السير بثبات على طريق الحق، لكانت قلوبنا أكثر امتلاءً بالفرح، لأننا نكون – على الأقل – متجهين نحو الخلاص الأبدي، وفي درب الحياة الحقيقية، لا الافتراضية.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 1/28/2026 6:04:00 PM
أكدت العائلة في ختام بيانها شجبها للجريمة، ودعاءها لابنتها بالرحمة
منبر 1/28/2026 10:07:00 AM
لقد توفيتُ منذ دقيقتين…لم أمتْ فوراً.توقّف الوقت أولًا… ثم تذكّرتُ اسمي.
اقتصاد وأعمال 1/26/2026 5:43:00 AM
قانون الإيجارات لا يجوز تطبيقه جزئيا، "لأنه قائم في أساسه على وجود اللجان والصندوق
اقتصاد وأعمال 1/28/2026 11:09:00 AM
أكدت مجموعة الحبتور احتفاظها الكامل بكافة حقوقها، ومواصلتها اتخاذ ما يلزم من إجراءات قانونية مناسبة، وفقاً للاتفاقيات الدولية والأطر القانونية ذات الصلة.