طاولة قلب، لا حوار
ريمي الحويّك
ثمّة برامج تُشاهَد، وبرامج تُنسى، وبرامج تبقى لأنّها لم تخاطب العين فقط، بل لامست مكاناً هشّاً في الداخل.
"تابل 3 "، ينتمي إلى الفئة الأخيرة. هو ليس عرضاً، بل لقاء. ليس أسئلة وأجوبة، بل اعتراف متبادل بأننا جميعاً ناقصون، ومتعبون، ونبحث عن معنى يخفّف ثقل الطريق.
الياس طوق لا يجلس خلف الطاولة بصفته محاوراً فحسب، بل كإنسان صالح اختلافه مع نفسه أولاً. هذه المصالحة الداخلية تنعكس دفئاً في حضوره، وتواضعاً في أسئلته، وصدقاً في صمته. هو لا يحاور ليُظهر ذكاءه، بل ليترك مساحة للآخر كي يظهر ضعفه من دون خوف.
وإلى جانبه، إليسا حريق، التي تحمل تجربتها مع متلازمة داندي ووكر لا كراية ولا كجرح مفتوح، بل كجزء من كيانها الإنساني. حضورها يشبه الهمس، لا يعلو، لكنه يصل. في نظراتها، وفي طريقة إصغائها، وفي اختيار كلماتها، رسالة صريحة، الألم لا يُفقدنا قيمتنا، بل يعلّمنا الرحمة.

في " تابل 3" يُنزَع عن الضيف عبء التمثيل. لا حاجة لأن يكون قويّاً طوال الوقت، ولا ناجحاً ولا متماسكاً. هنا يُسمَح للارتباك أن يظهر، وللذاكرة أن تتعثّر، وللصوت أن ينخفض. هذا السماح، بحدّ ذاته، فعل حبّ. ففي عالم يُكافئ القسوة ويخجل من الهشاشة، تأتي هذه الطاولة لتعيد الاعتبار للإنسان المتعب.
ما يميّز التجربة أنّها لا تتاجر بالوجع، ولا تُقدّسه. الوجع يُذكَر حين يلزم، ويُترك حين يصبح ثقيلاً. لا موسيقى تُضخّم اللحظة، ولا سؤال يُدخِل الضيف في زاوية. هناك ثقة بأن الحقيقة، حين تُقال بهدوء، تكون أصدق وأعمق من أي استعراض.
إن هذه التجربة تستحق التقدير، لا لأنها كاملة، بل لأنها رحيمة. لأنها لم تحاول أن تُجمّل الإنسان، بل احترمته كما هو، متكسّراً حيناً، صامتاً أحياناً، ومضيئاً رغم كل شيء.
في زمنٍ فقد فيه الكلام معناه، أعادت هذه الطاولة للكلمة دفئها، وللإنسان مكانه الطبيعي… في القلب.
نبض